ابن قيم الجوزية

396

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إذا عرف هذا فمعنى كونها برزخا : أن السالك يكون في أول سلوكه في أودية التفرقة ، سائرا إلى روابي الجمع . فيستقيم في طريق سيره غاية الاستقامة . ليصل باستقامته إلى روابي الجمع . فاستقامته برزخ بين تلك التفرقة التي كان فيها . وبين الجمع الذي يؤمه ويقصده . وهذا بمنزلة تفرقة المقيم في البلد في أنواع التصرفات . فإذا عزم على السفر ، وخرج وفارق البلد . واستمر على السير : كان طريق سفره برزخا بين البلد الذي كان فيه ، والبلد الذي يقصده ويؤمه . درجات الاستقامة قال « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد . لا عاديا رسم العلم ، ولا متجاوزا حدّ الإخلاص ، ولا مخالفا نهج السنة » . هذه درجة تتضمن ستة أمور : عملا واجتهادا فيه . وهو بذل المجهود . واقتصادا ، وهو السلوك بين طرفي الإفراط ، وهو الجور على النفوس . والتفريط بالإضاعة . ووقوفا مع ما يرسمه العلم . لا وقوفا مع داعي الحال ، وإفراد المعبود بالإرادة . وهو الإخلاص . ووقوع الأعمال على الأمر . وهو متابعة السنة . فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم . وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة : إما خروجا كليا ، وإما خروجا جزئيا . والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرا - وهما الاقتصاد في الأعمال ، والاعتصام بالسنة - فإن الشيطان يشمّ قلب العبد ويختبره . فإن رأى فيه داعية للبدعة ، وإعراضا عن كمال الانقياد للسنة : أخرجه عن الاعتصام بها . وإن رأى فيه حرصا على السنة ، وشدة طلب لها : لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها ، فأمره بالاجتهاد ، والجور على النفس ، ومجاوزة حد الاقتصاد فيها . قائلا له : إن هذا خير وطاعة . والزيادة والاجتهاد فيها أكمل . فلا تفتر مع أهل الفتور . ولا تنم مع أهل النوم ، فلا يزال يحثه ويحرضه . حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها . فيخرج عن حدها كما أن الأول خارج عن هذا الحد . فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر . وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم ، وصيامهم مع صيامهم . وقراءتهم مع قراءتهم . وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة . لكن هذا إلى بدعة التفريط ، والإضاعة . والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف . وقال بعض السلف : ما أمر اللّه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان ، إما إلى تفريط ، وإما إلى مجاوزة ، وهي الإفراط . ولا يبالي بأيهما ظفر : زيادة أو نقصان . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما : « يا عبد اللّه بن عمرو ، إن لكل عامل شرّة . ولكل شرّة فترة . فمن كانت فترته إلى سنّة أفلح ، ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر » قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل . فكل الخير في اجتهاد باقتصاد ، وإخلاص مقرون بالاتباع . كما قال بعض الصحابة : اقتصاد في سبيل وسنة ، خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة ، فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء عليهم السلام وسنتهم .