ابن قيم الجوزية
394
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
( 14 ) [ الأحقاف : 13 ، 14 ] وقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) [ هود : 112 ] . فبين أن الاستقامة ضد الطغيان . وهو مجاوزة الحدود في كل شيء . وقال تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [ فصّلت : 6 ] وقال تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [ الجنّ : 16 ، 17 ] . سئل صدّيق الأمة وأعظمها استقامة - أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه - عن الاستقامة ؟ فقال : « أن لا تشرك باللّه شيئا » يريد الاستقامة على محض التوحيد « 1 » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب » . وقال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه : « استقاموا : أخلصوا العمل للّه » . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وابن عباس رضي اللّه عنهما : « استقاموا أدّوا الفرائض » . وقال الحسن : « استقاموا على أمر اللّه . فعملوا بطاعته ، واجتنبوا معصيته » . وقال مجاهد : « استقاموا على شهادة أن لا إله إلا اللّه حتى لحقوا باللّه » . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : استقاموا على محبته وعبوديته ، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة . وفي « صحيح مسلم » عن سفيان بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : قلت : « يا رسول اللّه قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك . قال : قل آمنت باللّه . ثم استقم » . وفيه عن ثوبان رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « استقيموا ولن تحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن » . والمطلوب من العبد الاستقامة . وهي السداد . فإن لم يقدر عليها فالمقاربة . فإن نزل عنها : فالتفريط والإضاعة ، كما في « صحيح مسلم » من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « سددوا وقاربوا . واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمّدني اللّه برحمة منه وفضل » . فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها . فأمر بالاستقامة . وهي السداد ، والإصابة في النيات والأقوال والأعمال . وأخبر في حديث ثوبان : أنهم لا يطيقونها . فنقلهم إلى المقاربة . وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم . كالذي يرمي إلى الغرض ، فإن لم يصبه يقاربه . ومع هذا فأخبرهم :
--> ( 1 ) ومن استقام على محض التوحيد الصادق الذي يدين به الصديق . واستقام له توحيده على العلم الصادق بأسماء اللّه وصفاته ، وآثارها في الأنفس والآفاق : استقام في كل شأنه على الصراط المستقيم . فاستقام له كل عمل وكل حال .