ابن قيم الجوزية
38
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
دعاء على كل عبد . وأوجبه عليه كل يوم وليلة . في كل صلاة ، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة . ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه . والتحقق ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] علما ومعرفة ، وعملا وحالا : يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد . فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل . فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية ، وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسدا . وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبه غير اللّه وعبوديته : من المشركين ، ومتبعي الشهوات ، الذين لا غاية لهم وراءها ، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو باطل . فإذا جاء الحق معارضا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم . فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل . فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق ، وحادوا عنه إلى طريق أخرى . وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان . فإذا لم يجدوا منه بدا أعطوه السكة والخطبة « 1 » وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ ، وإن جاء الحق ناصرا لهم وكان لهم صالوا به وجالوا ، وأتوا إليه مذعنين . لا لأنه حق ، بل لموافقته غرضهم وأهواءهم ، وانتصارهم به وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ النّور : 48 - 50 ] . والمقصود : أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم . وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها ، واضمحلت وفنيت ، حصلوا على أعظم الخسران والحسرات . وهم أعظم الناس ندامة وتحسرا ، إذا حقّ الحق وبطل الباطل ، وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم ، وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة . وهذا يظهر كثيرا في الدنيا . ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على اللّه . ويشتد ظهوره وتحققه في البرزخ . وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء ، إذا حقت الحقائق . وفاز المحقون وخسر المبطلون . وعلموا أنهم كانوا كاذبين ، وكانوا مخدوعين مغرورين . فيا له هناك من علم لا ينفع عالمه ، ويقين لا ينجي مستيقنه . وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى ، ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه ، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه ، وهي من أعظم القواطع عنه . فحاله أيضا كحال هذا . وكلاهما فاسد القصد . ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] . فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء ( 1 ) عبودية اللّه لا غيره ( 2 ) بأمره وشرعه ( 3 ) لا بالهوى ( 4 ) ولا بآراء الرجال وأوضاعهم ، ورسومهم ، وأفكارهم ( 5 ) بالاستعانة على عبوديته به ( 6 ) لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره . فهذه هي أجزاء إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] فإذا ركبها الطبيب اللطيف ، العالم بالمرض ، واستعملها المريض ، حصل بها الشفاء التام . وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزائها ، أو اثنين أو أكثر .
--> ( 1 ) السكة : المراد منها الاسم والشعار يضرب على النقود ، ويقصد بذلك ما كان عليه الخلفاء في وقته ، إذ لم يكن لهم من الخلافة إلا الصور . أما الحكم النافذ في الأمور فلغيرهم .