ابن قيم الجوزية
375
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فأين هذا من مشهد تنوّع الأسماء والصفات ؟ وتعلقها بأنواع الكائنات ، وارتباطها بجميع الحادثات ؟ وإعطاء كل اسم منها وصفة حقها من الشهود والعبودية ؟ والنظر إلى سريان آثارها في الخلق والأمر ، والعالم العلوي والسفلي ، والظاهر والباطن ، ودار الدنيا ودار الآخرة ؟ وقيامه بالفرق والجمع في ذلك علما ومعرفة وحالا ؟ ! واللّه المستعان . قوله : « ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة » . يشير إلى فناء شهود المراقب عن نفسه وما منها . وأنه يفنى بمن يراقبه عن نفسه وما منها . فإذا كان باقيا بشهود مراقبته : فهو في ورطتها لم يتخلص منها . لأن شهود المراقبة لا يكون إلا مع بقائه . والمقصود : إنما هو الفناء والتخلص من نفسه ومن صفاتها وما منها . وقد عرفت أن فوق هذا درجة أعلى منه وأرفع ، وأشرف . وهي مراقبة مواقع رضى الرب ، ومساخطه في كل حركة . والفناء عما يسخطه بما يحب ، والتفرق له وبه وفيه ، ناظرا إلى عين جمع العبودية ، فانيا عن مراده من ربه - مهما علا - بمراد ربه منه . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . منزلة تعظيم حرمات اللّه عز وجل ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « تعظيم حرمات اللّه عزّ وجلّ » قال اللّه عزّ وجلّ : وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ الحجّ : 30 ] قال جماعة من المفسرين « حرمات اللّه » ههنا مغاضبه ، وما نهى عنه ، و « تعظيمها » ترك ملابستها . قال الليث : حرمات اللّه : ما لا يحل انتهاكها . وقال قوم : الحرمات : هي الأمر والنهي . وقال الزجاج : الحرمة ما وجب القيام به ، وحرم التفريط فيه . وقال قوم : الحرمات ههنا المناسك ، ومشاعر الحج زمانا ومكانا . والصواب : أن « الحرمات » تعم هذا كله . وهي جمع « حرمة » وهي ما يجب احترامه ، وحفظه : من الحقوق ، والأشخاص ، والأزمنة ، والأماكن . فتعظيمها : توفيتها حقها ، وحفظها من الإضاعة . قال صاحب « المنازل » : « الحرمة : هي التحرّج عن المخالفات والمجاسرات » . « التحرج » الخروج من حرج المخالفة . وبناء تفعّل يكون للدخول في الشيء . كتمنّى إذا دخل في الأمنية ، وتولج في الأمر : دخل فيه ، ونحوه . وللخروج منه ، كتحرج وتحوّب وتأثّم . إذا أراد الخروج من الحرج . والحوب : هو الإثم . أراد أن الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة . وجسارة الإقدام عليها . ولما كان المخالف قسمين جاسرا وهائبا . قال عن المخالفات والمجاسرات . درجات تعظيم حرمات اللّه عز وجل قال « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : تعظيم الأمر والنهي ، لا خوفا من العقوبة . فتكون خصومة للنفس ، ولا طلبا للمثوبة . فيكون مستشرفا للأجرة ، ولا مشاهدا لأحد . فيكون متزينا بالمراءاة . فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس »