ابن قيم الجوزية

373

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أنه لا يزال يقوم به من يحفظه ، ويبين معالمه ، ويحميه من كيد من يكد . النوع الثالث : الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة ، التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم اللّه ورسوله . وحكموا بها بين عباده ، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده . فقال الأولون : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل . وقال الآخرون : إذا تعارض الأثر والقياس : قدمنا القياس . وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد : إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع : قدمنا الذوق والوجد والكشف . وقال أصحاب السياسة : إذا تعارضت السياسة والشرع ، قدمنا السياسة . فجعلت كل طائفة قبالة دين اللّه وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه . فهؤلاء يقولون : لكم النقل ولنا العقل . والآخرون يقولون : أنتم أصحاب آثار وأخبار ، ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار ، وأولئك يقولون : أنتم أرباب الظاهر ، ونحن أهل الحقائق . والآخرون يقولون : لكم الشرع . ولنا السياسة . فيا لها من بلية ، عمّت فأعمت ، ورزية رمت فأصمت ، وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون ، وأهوية عصفت . فصمّت منها الآذان ، وعميت منها العيون . عطلت لها - واللّه - معالم الأحكام . كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام . واستند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم ، وحكموا على اللّه وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم . وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل ، والدين وقفا على كل إفساد وتبديل . النوع الرابع : الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره . وهذا اعتراض الجهال . وهو ما بين جلي وخفي ، وهو أنواع لا تحصى . وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم . ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله ، لرأى ذلك في قلبه عيانا . فكل نفس معترضة على قدر اللّه وقسمه وأفعاله ، إلا نفسا قد اطمأنّت إليه ، وعرفته حق المعرفة التي يمكن وصول البشر إليها . فتلك حظها التسليم والانقياد . والرضى كل الرضاء . وأما « نقض رعونة التعرض » فيشير به إلى معنى آخر ، لا تتم المراقبة عنده إلا بنقضه ، وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حال المراقبة ، والحضور مع اللّه . فإن ذلك تعرض منه ، لحجاب الحق له عن كمال الشهود ، لأن بقاء العبد مع مداركه وحواسه ومشاعره ، وأفكاره وخواطره ، عند الحضور والمشاهدة : هو تعرض للحجاب . فينبغي أن تتخلص مراقبة نظر الحق إليك من هذه الآفات . وذلك يحصل بالاستغراق في الذكر . فتذهل به عن نفسك وعمّا منك . لتكون بذلك متهيئا مستعدا للفناء عن وجودك ، وعن وجود كل ما سوى المذكور سبحانه . وهذا التهيؤ والاستعداد : لا يكون إلا بنقض تلك الرعونة . والذكر يوجب الغيبة عن الحس . فمن كان ذاكرا لنظر الحق إليه من إقباله عليه ، ثم أحس بشيء من حديث نفسه وخواطره وأفكاره : فقد تعرض واستدعى عوالم نفسه ، واحتجاب المذكور عنه . لأن حضرة الحق تعالى لا يكون فيها غيره .