ابن قيم الجوزية
367
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه . فالوقف التام عند قوله « ورحمة » ثم يبتدئ « ورهبانية ابتدعوها » أي لم نشرّعها لهم . بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ، ولم نكتبها عليهم . وفي نصب قوله « إلا ابتغاء رضوان اللّه » ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول له ، أي لم نكتبها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللّه ، وهذا فاسد . فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه . كيف وقد أخبر : أنهم هم ابتدعوها ؟ فهي مبتدعة غير مكتوبة . وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل المذكور معه . فيتحد السبب والغاية . نحو : قمت إكراما . فالقائم هو المكرم . وفعل الفاعل المعلل ههنا هو « الكتابة » و « ابتغاء رضوان اللّه » فعلهم ، لا فعل اللّه . فلا يصلح أن يكون علة لفعل اللّه . لاختلاف الفاعل . وقيل : بدل من مفعول « كتبناها » أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان اللّه . وهو فاسد أيضا : إذ ليس ابتغاء رضوان اللّه عين الرهبانية . فتكون بدل الشيء من الشيء . ولا بعضها . فتكون بدل بعض من كل . ولا أحدهما مشتمل على الآخر . فتكون بدل اشتمال . وليس بدل غلط . فالصواب : أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع . أي لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان اللّه . ودل على هذا قوله « ابتدعوها » ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية ، وأنه هو طلب رضوان اللّه . ثم ذمهم بترك رعايتها . إذ من التزم للّه شيئا لم يلزمه اللّه إياه من أنواع القرب لزمه رعايته وإتمامه . حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة بإتمامها ، وجعلوا التزامها بالشروع كالتزامها بالنذر . كما قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهو إجماع - أو كالإجماع - في أحد النّسكين . قالوا : والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول . فكما يجب عليه رعاية ما التزمه بالنذر وفاء ، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما . وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة . والقصد : أن اللّه سبحانه وتعالى ذمّ من لم يرع قربة ابتدعها للّه تعالى حق رعايتها . فكيف بمن لم يرع قربة شرعها اللّه لعباده . وأذن بها وحثّ عليها « 1 » . درجات الرعاية قال صاحب المنازل : « الرعاية : صون بالعناية . وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : رعاية الأعمال . والثانية : رعاية الأحوال . والثالثة : رعاية الأوقات » .
--> ( 1 ) ابتدع النصارى الرهبانية ، زاعمين أنها من سنن عيسى ابن مريم وهداه صلى اللّه عليه وسلم ، وأكذبهم اللّه . وبين أنهم هم الذين ابتدعوها من عند أنفسهم . وعيسى عليه السلام بريء منها . فإنها على خلاف الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها واللّه لا يشرع ما يضاد الفطرة ، ولا يحبه . ولذلك فإنهم لم يستطيعوا - ولن يستطيعوا - أن يرعوها حق رعايتها . لأن سنن اللّه لا يقدر أحد على تبديلها . ففي أديرة الرهبان وأديرة الراهبات آيات بينات على ذلك من ثمرات الفسوق عن أمر اللّه . وكذلك الصوفية يستنون بسنن هؤلاء المترهبين الفاسقين .