ابن قيم الجوزية
360
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة ، والمقامات العلية . التي يتعاطاها العبد . ويشمر إليها . فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب . ولا تصبر عليه نفوس العلماء . وحاشا سادات القوم وأئمتهم من هذه الرعونات . بل هم أبعد الناس منها . نعم ، قد يعرض لأحدهم حال يحدث نفسه فيه بأنه لو عذبه لكان راضيا بعذابه ، كرضى صاحب الثواب بثوابه . ويعزم على ذلك بقلبه . ولكن هذا عزم وأمنية ، وعند الحقيقة لا يكون لذلك أثر البتة . ولو امتحنه بأدنى محنة لصاح واستغاث . وسأل العافية . كما جرى للقائل . وهو سمنون : وليس لي من هواك بد * فكيفما شئت فامتحنّي فامتحنه بعسر البول . فطاحت هذه الدعوى عنه ، واضمحل حالها . وجعل يطوف على صبيان المكاتب ، ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . فالعزم على الرضى لون . وحقيقته لون آخر . وأما قوله « وإنما نطق به التنزيل : لفائدة . وهي كونه يبرد حرارة الخوف » . فيقال : بل لفوائد كثيرة أخر مشاهدة : منها : إظهار العبودية والفاقة ، والحاجة إلى ما يرجوه من ربه . ويستشرفه من إحسانه ، وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين . ومنها : أنه سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه . ويسألوه من فضله . لأنه الملك الحق الجواد ، أجود من سئل ، وأوسع من أعطى . وأحب ما إلى الجواد : أن يرجى ، ويؤمل ويسأل . وفي الحديث « من لم يسأل اللّه يغضب عليه » والسائل راج وطالب . فمن لم يرج اللّه يغضب عليه . فهذه فائدة أخرى من فوائد الرجاء . وهي التخلص به من غضب اللّه . ومنها : أن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى اللّه . ويطيب له المسير . ويحثه عليه . ويبعثه على ملازمته . فلو لا الرجاء لما سار أحد . فإن الخوف وحده لا يحرك العبد . وإنما يحركه الحب . ويزعجه الخوف . ويحدوه الرجاء . ومنها : أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة . ويلقيه في دهليزها . فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبا للّه تعالى ، وشكرا له ، ورضى به وعنه . ومنها : أنه يبعثه على أعلى المقامات . وهو مقام الشكر ، الذي هو خلاصة العبودية . فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره . ومنها : أنه يوجب له المزيد من معرفة اللّه وأسمائه ومعانيها ، والتعلق بها . فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى ، متعبد بها ، داع بها . قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] فلا ينبغي أن يعطل دعاؤه بأسمائه الحسنى التي هي أعظم ما يدعو بها الداعي . فالقدح في مقام الرجاء تعطيل لعبودية هذه الأسماء ، وتعطيل للدعاء بها . ومنها : أن المحبة لا تنفك عن الرجاء - كما تقدم - فكل واحد منهما يمدّ الآخر ويقويه . ومنها : أن الخوف مستلزم للرجاء . والرجاء مستلزم للخوف . فكل راج خائف . وكل