ابن قيم الجوزية

36

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الشهود . وتعود الرسوم أعداما محضة . فالإلهام في هذه الدرجة : يجلو هذا العين للملهم صرفا . بحيث لا يمازجها شيء من إدراك العقول ولا الحواس فإن كان هناك إدراك عقلي أو حسي لم يتمحض جلاء عين الحقيقة . والناطق عن هذا الكشف عندهم : لا يفهم عنه إلا من هو معه ، ومشارك له . وعند أرباب هذا الكشف : أن كل الخلق عنه في حجاب . وعندهم : أن العلم والعقل والحال حجب عليه . وأن خطاب الخلق إنما يكون على لسان الحجاب ، وأنهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب . فلذلك تمتنع الإشارة إليه ، والعبارة عنه . فإن الإشارة والعبارة إنما يتعلقان بالمحسوس والمعقول ، وهذا أمر وراء الحس والعقل . وحاصل هذا الإلهام : أنه إلهام ترتفع معه الوسائط وتضمحل وتعدم ، لكن في الشهود لا في الوجود . وأما الاتحادية ، القائلون بوحدة الوجود : فإنهم يجعلون ذلك اضمحلالا وعدما في الوجود . ويجعلون صاحب المنازل منهم « 1 » . وهو بريء منهم عقلا ودينا وحالا ومعرفة . واللّه أعلم . المرتبة العاشرة من مراتب الهداية : الرؤيا الصادقة . وهي من أجزاء النبوة كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » . وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور : إن أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة ، وذلك نصف سنة . ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة ، من حين بعث إلى أن توفي ، صلوات اللّه وسلامه عليه . فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك : جزء من ستة وأربعين جزءا . وهذا حسن . لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة « إنها جزء من سبعين جزءا » . وقد قيل في الجمع بينهما : إن ذلك بحسب حال الرائي ، فإن رؤيا الصديقين من ستة وأربعين . ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين . واللّه أعلم . والرؤيا : مبدأ الوحي . وصدقها بحسب صدق الرائي . وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا . وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطىء ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم . وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها . فيتعوض المؤمنون بالرؤيا . وأما في زمن قوة نور النبوة : ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا . ونظير هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة . ولم تظهر عليهم ، لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم ، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم « 2 » . وقد نص أحمد على هذا المعنى .

--> ( 1 ) لعل لهم شبهة في ذلك ، ومن حام حول الحمى أوشك أن يواقعه . ( 2 ) بل لعله لأن شأن الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم كان غير شأن من بعدهم . فقد كان الصحابة والتابعون . بتمسكهم بالكتابة والسنة ، وشدة يقظتهم ، المكتسب من مشكاتهما وحرصهم عليهما - أصدق إيمانا وأنور بصيرة ، وأهدى سبيلا ، وأبعد عن ضلالة . فكان الشيطان أبعد من التلاعب بعقولهم ، والتغرير بهم . بخلاف من بعدهم ، خصوصا بعد دخول اليهود والفرس والروم والهند بتقاليدهم وأهوائهم وصوفيتهم . وصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . والآخر شر إلى يوم القيامة » أو كما قال . وكم للإمام أحمد بن تيمية وإخوانه من أئمة الهدى سلفا وخلفا من كرامات ، على نحو ما أكرم اللّه الصادقين من أتباع رسله ، مثل الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين .