ابن قيم الجوزية

352

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ألهم الشكر ، راجيا لتمام النعمة من اللّه عليه في الدنيا والآخرة ، وتمام عفوه عنه في الآخرة . واختلفوا ، أي الرجاءين أكمل : رجاء المحسن ثواب إحسانه . أو رجاء المسئ التائب مغفرة ربه وعفوه ؟ فطائفة رجحت رجاء المحسن . لقوة أسباب الرجاء معه . وطائفة رجحت رجاء المذنب . لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل ، مقرون بذلّة رؤية الذنب . قال يحيى بن معاذ : يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص ، وكيف أصفيها وأحرزها ؟ وأنا بالآفات معروف . وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك ، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف ؟ . وقال أيضا : إلهي ، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك . وأعذب الكلام على لساني ثناؤك . وأحب الساعات إليّ ساعة يكون فيها لقاؤك . الرجاء أضعف منازل المريدين قال صاحب المنازل : « الرجاء : أضعف منازل المريدين . لأنه معارضة من وجه ، واعتراض من وجه . وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة . وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة . وتلك الفائدة : هي كونه يبرد حرارة الخوف ، حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس » . شيخ الإسلام حبيب إلينا . والحق أحب إلينا منه . وكل من عدا المعصوم صلى اللّه عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك . ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله . ثم نبين ما فيه . أما قوله « الرجاء أضعف منازل المريدين » فيعني بالنسبة إلى ما فوقه من المنازل ، كمنزلة المعرفة والمحبة ، والإخلاص ، والصدق والتوكل . لا أن مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها ، وأنها منزلة ناقصة . وأما قوله « لأنه معارضة من وجه ، واعتراض من وجه » . فلأنه تعلق بمراد العبد من ربه ، من الإحسان والثواب والإفضال . وقد يكون مراده تعالى من عبده : استيفاء حقه ، ومعاملته بحكم عدله له . لما له في ذلك من الحكمة . فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في نوع معارضة . وكأن الراجي تعلق قلبه بما يعارض تصرف المالك في ملكه . وذلك ينافي حكم استسلامه وانقياده ، وانطراحه بين يدي ربه ، مستسلما لما يحكم به فيه . فرجاؤه معارض لحكمه وإرادته ، ووقوف مع مراده من سيده . وذلك يعارض مراد سيده منه . والمحب الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه . ولو كان فيه تعذيبه . وأما وجه الاعتراض : فهو أن القلب إذا تعلق بالرجاء ولم يظفر بمرجوه : اعترض . حيث لم يحصل له مرجوه ، ولم يظفر به . وإن ظفر به : اعترض . حيث فاته غير ذلك المرجو . لأن كل أحد يرجو فضل اللّه . ويحدث نفسه به . وفيه وجه آخر من الاعتراض : وهو أن يعترض على ربه تعالى بما يرجو منه . لأن الراجي متمنّ لما يرجو ، مؤثر له . وذلك اعتراض على القدر ، مناف لكمال الاستسلام . والرضى بما