ابن قيم الجوزية

350

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهذه الوقفة تعترض كل طالب مجدّ في طلبه . فمنها يرجع على عقبه ، أو يصل إلى مطلبه كما قيل : لا بد للعاشق من وقفة * ما بين سلوان وبين غرام وعندها ينقل أقدامه * إما إلى خلف وإما أمام والذي يظهر لي من كلامه : أن أوائل الجمع : مباديه ولوائحه وبوارقه . وبعد هذا درجة رابعة . وهي الانقطاع عن مراده من ربه . والفناء عنه إلى مراد ربه منه ، والفناء به . فلا يريد منه ، بل يريد ما يريده منقطعا به عن كل إرادة . فينظر في أوائل الجمع في مراده الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه . وأكثر أرباب السلوك عندهم « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » فرق « وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » جمع . ثم منهم من يرى : أن ترك الجمع زندقة وكفر . فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق . ومنهم من يرى : أن مقام « التفرقة » ناقص مرغوب عنه . ويرى سوء حال أهله وتشتتهم . فيرغب عنه عاملا على الجمع . يتوجه معه حيث توجهت ركائبه . والمستقيمون منهم يقولون : لا بد للعبد السالك من جمع وفرق ، وقيام العبودية بهما . فمن لا تفرقة له لا عبودية له . ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال . ف « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » فرق . و « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » جمع . والحق : إن كلّا من مشهدي « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » متضمن للفرق والجمع ، وكمال العبودية بالقيام بهما في كل مشهد . ففرق « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » تنوع ما يعبد به ، وكثرة تعلقاته وضروبه . وجمعه : توحيد المعبود بذلك كله . وإرادة وجهه وحده ، والفناء عن كل حظ ومراد يزاحم حقه ومراده . فتضمن هذا المشهد فرقا في جمع ، وكثرة في وحدة . فصاحبه يتنقل في منازل العبودية من عبادة إلى عبادة . ومعبوده واحد ، لا إله إلا هو . وأما فرق « إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » فشهود ما يستعين به عليه ، ومرتبته ومنزلته ، ومحله من النفع والضر ، وبدايته وعاقبته ، واتصاله - بل وانفصاله - وما يترتب عليه من هذا الاتصال والانفصال . ويشهد - مع ذلك - فقر المستعين وحاجته ونقصه ، وضرورته إلى كمالاته التي يستعين ربّه في تحصيلها ، وآفاته التي يستعين ربّه في دفعها . ويشهد حقيقة الاستعانة وكفاية المستعان به . وهذا كله فرق يثمر عبودية هذا المشهد . وأما جمعه : فشهود تفرده سبحانه بالأفعال . وصدور الكائنات بأسرها عن مشيئته ، وتصريفها بإرادته وحكمته . فغيبته بهذا المشهد عما قبله من الفرق : نقص في العبودية ، كما أن تفرقه في الذي قبله دون ملاحظته : نقص أيضا . والكمال إعطاء الفرق والجمع حقهما في هذا المشهد والمشهد الأول . فتبين تضمن « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » للجمع والفرق . وباللّه المستعان .