ابن قيم الجوزية

346

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يقول سبحانه : لا تتعدوا ما أبحت لكم ، ولا تقربوا ما حرمت عليكم . فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدي هذه . وهو اقتحام الحدود . وقال « الدرجة الثالثة : التورّع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت . والتعلق بالتفرق . وعارض يعارض حال الجمع » . الفرق بين شتات الوقت ، والتعلق بالتفرق : كالفرق بين السبب والمسبب . والنفي والإثبات . فإنه يتشتت وقته . فلا يجد بدا من التعلق بما سوى مطلوبه الحق . إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة . فمن لم يكن اللّه مراده أراد ما سواه . ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه . ومن لم يكن عمله للّه فلا بد أن يعمل لغيره . وقد تقدم هذا . فالمخلص يصونه اللّه بعبادته وحده ، وإرادة وجهه وخشيته وحده ، ورجائه وحده ، والطلب منه ، والذل له ، والافتقار إليه وحده . وإنما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية : لأن أربابها اشتغلوا بحفظ الصيانة من الكدر وملاحظتها . وذلك عند أهل الدرجة الثالثة : تفرق عن الحق واشتغال عن مراقبته بحال نفوسهم . فأدب أهل هذه أدب حضور ، وأدب أولئك أدب غيبة . وأما « الورع عن كل حال يعارض حال الجمع » . فمعناه : أن يستغرق العبد شهود فنائه في التوحيد ، وجمعيته على اللّه تعالى فيه عن كل حال يعارض هذا الفناء والجمعية . وهذا عند الشيخ لما كان هو الغاية التي ليس بعدها مطلب : جعل كل حال يعارضها ويقطع عنها ناقصا بالنسبة إليها . فالرغبة عنه غير ورع صاحبها . وقد عرفت ما فيه . وأن فوق هذا مقاما أرفع منه وأعلى . وهو الورع عن كل حظ يزاحم مراده منك ، ولو كان الحظ فناءا وجمعية ، أو كائنا ما كان . وبينا أن « الفناء » و « الجمعية » حظ العبد . وأن حق الرب وراء ذلك . وهو البقاء بمراده فرقا وجمعا به وله . وعلى هذا فالورع الخاص : الورع عن كل حال يعارض حال القيام بالأمر ، والبقاء به فرقا وجمعا . واللّه المستعان . الخوف يثمر الورع الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل . وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد . والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء . والقناعة تثمر الرضاء . والذكر يثمر حياة القلب . والإيمان بالقدر يثمر التوكل . ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة . والورع يثمر الزهد أيضا . والتوبة تثمر المحبة أيضا ، ودوام الذكر يثمرها . والرضا يثمر الشكر . والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات . والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه . والمعرفة تثمر الخلق . والفكر يثمر العزيمة . والمراقبة تثمر عمارة الوقت ، وحفظ الأيام والحياء ، والخشية والإنابة . وإماتة النفس وإذلالها وكسرها : يوجب حياة القلب وعزه وجبره . ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من اللّه عزّ وجلّ . واستكثار ما منه ، واستقلال ما منك من الطاعات . ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان وصحة البصيرة تثمر اليقين . وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة