ابن قيم الجوزية

343

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قال الشبلي : الورع أن يتورع عن كل ما سوى اللّه . وقال إسحاق بن خلف : الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة ، والزهد في الرياسة : أشد منه في الذهب والفضة . لأنهما يبذلان في طلب الرياسة . وقال أبو سليمان الداراني : الورع أول الزهد ، كما أن القناعة أول الرضا . وقال يحيى بن معاذ : الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل . وقال : الورع على وجهين : ورع في الظاهر ، وورع في الباطن . فورع الظاهر : أن لا يتحرك إلا للّه ، وورع الباطن : هو أن لا تدخل قلبك سواه . وقال : من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء . وقيل : الورع الخروج من الشهوات ، وترك السيئات . وقيل : من دقّ في الدنيا ورعه - أو نظره - جلّ في القيامة خطره . وقال يونس بن عبيد : الورع الخروج من كل شبهة ، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين . وقال سفيان الثوري : ما رأيت أسهل من الورع ، ما حاك في نفسك فاتركه . وقال سهل : الحلال هو الذي لا يعصى اللّه فيه ، والصافي منه الذي لا ينسى اللّه فيه . وسأل الحسن غلاما . فقال له : ما ملاك الدين ؟ قال : الورع . قال : فما آفته ؟ قال : الطمع . فعجب الحسن منه . وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة . وقال أبو هريرة : جلساء اللّه غدا أهل الورع والزهد . وقال بعض السلف : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس . وقال بعض الصحابة : كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام . تعريف الورع قال صاحب المنازل : « الورع : توق مستقصى على حذر . وتحرج على تعظيم » . يعني أن يتوقّى الحرام والشبه ، وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي . لأن التوقي والحذر متقاربان . إلا أن « التوقي » فعل الجوارح . و « الحذر » فعل القلب . فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف . ولكن لأمور أخرى : من إظهار نزاهة ، وعزة وتصوف ، أو اعتراض آخر ، كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد ، ولا جنة ولا نار ما يتوقونه من الفواحش والدناءة ، تصونا عنها . ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها ، وطلبا للمحمدة ، ونحو ذلك . وقوله « أو تحرج على تعظيم » يعني أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه إما حذر حلول الوعيد . وإما تعظيم الرب جل جلاله ، وإجلالا له أن يتعرض لما نهى عنه . فالورع عن المعصية : إما تخوف ، أو تعظيم . واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحب الباعث على ترك معصية المحبوب . لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه . وإلا فلو خلا القلب من تعظيمه لم