ابن قيم الجوزية
337
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه : الأول : ترك الحرام . وهو زهد العوام . والثاني : ترك الفضول من الحلال . وهو زهد الخواص . والثالث : ترك ما يشغل عن اللّه . وهو زهد العارفين . وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ ، مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته . وهو من أجمع الكلام . وهو يدل على أنه رضي اللّه عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى . وقد شهد الشافعي رحمه اللّه بإمامته في ثمانية أشياء « أحدها الزهد » . والذي أجمع عليه العارفون : أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا ، وأخذه في منازل الآخرة . وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد . كالزهد لعبد اللّه بن المبارك ، وللإمام أحمد ، ولوكيع ، ولهناد ابن السري ، ولغيرهم . ومتعلقه ستة أشياء . لا يستحق العبد اسم « الزهد » حتى يزهد فيها . وهي المال ، والصور ، والرياسة ، والناس ، والنفس ، وكل ما دون اللّه . وليس المراد رفضها من الملك . فقد كان سليمان وداود عليهما السّلام من أزهد أهل زمانهما . ولهما من المال والملك والنساء ما لهما . وكان نبينا صلى اللّه عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق « 1 » ، وله تسع نسوة . وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان - رضي اللّه عنهم - من الزهاد . مع ما كان لهم من الأموال . وكان الحسن بن علي رضي اللّه عنه من الزهاد ، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن ، وأغناهم . وكان عبد اللّه بن المبارك من الأئمة الزهاد ، مع مال كثير . وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد . وكان له رأس مال يقول : لولا هو لتمندل بنا هؤلاء . ومن أحسن ما قيل في الزهد ، كلام الحسن أو غيره : ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال . ولكن أن تكون بما في يد اللّه أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة - إذا أصبت بها - أرغب منك فيها لو لم تصبك . فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه . وقد روي مرفوعا . وقد اختلف الناس في « الزهد » هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم لا ؟ فقال أبو حفص : الزهد لا يكون إلا في الحلال . ولا حلال في الدنيا ، فلا زهد . وخالفه الناس في هذا . وقالوا : بل الحلال موجود فيها . وفيها الحرام كثيرا ، وعلى تقدير : أن لا يكون فيها الحلال . فهذا أدعى إلى الزهد فيها ، وتناول ما يتناوله المضطر منها ، كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير .
--> ( 1 ) إنما كانوا من الأبرار المتقين . وزهد الصوفية هذا لم يدخل البيئة الإسلامية إلا بعد دخول الفرس وأشباههم من الموغورة صدورهم على الإسلام فيها في أوائل القرن الثاني . فشاع فيهم مصطلحات على غير ما كان العرب الأقحاح يعرفون . وكثر استعمال الألفاظ على غير معناها العربي الصحيح . فدفع أكثر الناس إلى الانحراف عن الجادة . وينبغي أن يتحرى في وصف المؤمنين وصالح أعمالهم وعقائدهم ما جاء عن اللّه وعن رسوله . ولا يتجاوز ذلك أبدا ، ففي تجاوزه أشد الخطر ، وله أبعد الأثر في التمهيد للجاهلية الوثنية التي وقع أكثر الناس اليوم فيها .