ابن قيم الجوزية
335
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قال اللّه تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] وقال تعالى : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ الحديد : 20 ] وقال تعالى : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [ يونس : 24 ] الآية وقال تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ - إلى قوله - وَخَيْرٌ أَمَلًا [ الكهف : 45 - 46 ] وقال تعالى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى [ النساء : 77 ] وقال تعالى : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [ الأعلى : 16 - 17 ] وقال : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ طه : 131 ] وقال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً [ الكهف : 7 - 8 ] وقال : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ - إلى قوله - وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 33 - 35 ] . والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا ، والإخبار بخستها « 1 » وقلتها وانقطاعها ، وسرعة فنائها . والترغيب في الآخرة ، والإخبار بشرفها ودوامها . فإذا أراد اللّه بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة . ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار . وقد أكثر الناس من الكلام في « الزهد » وكل أشار إلى ذوقه . ونطق عن حاله وشاهده . فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم . والكلام بلسان العلم : أوسع من الكلام بلسان الذوق ، وأقرب إلى الحجة والبرهان . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : الزّهد ترك ما لا ينفع في الآخرة . والورع : ترك ما تخاف ضرره في الآخرة . وهذه العبارة من أحسن ما قيل في « الزهد ، والورع » وأجمعها . وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل . ليس بأكل الغليظ ، ولا لبس العباء . وقال الجنيد : سمعت سريا يقول : إن اللّه عزّ وجلّ سلب الدنيا عن أوليائه « 2 » وحماها عن أصفيائه ، وأخرجها من قلوب أهل وداده . لأنه لم يرضها لهم .
--> - اللّه وتحقير لها . وليس هذا من هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا هدى أصحابه . وإنما كان هداهم تقدير هذه النعم وحبها والفرح بفضل اللّه عليهم بها وشكرها بالاستعانة بها على النجاح والفلاح فيما ابتلاهم اللّه به . ( 1 ) إنما ذلك للحياة الدنية الخسيسة ، التي يتعلق بها الغافلون عن كرامتهم ، وينصرفون بها إلى البهيمية ، ويخلدون إلى أرضها . أما الذاكرون لكرامتهم ودرجاتها العالية . فإنهم يتخذون من حياتهم الأولى - وما فيها مما أنعم اللّه عليهم به وسخره لهم - أسبابا يرتفعون بها على مراقي البر والإحسان . فهي حياة كريمة مباركة . ( 2 ) لقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أسعد عيش وأرغده في حياته كلها . يملأ اللّه يديه بالخير ، فيضعه حيث أحب ربه . ومات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده مما أفاء عليه من بني النضير وخيبر وغيرهما ما كان سببا في خصومة علي والعباس رضي اللّه عنهما لأبي بكر وعمر . وكان صلى اللّه عليه وسلم يحب الطيبات ويستمتع بها في غير سرف ولا مخيلة . و « خير الهدى هدى محمد صلى اللّه عليه وسلم » .