ابن قيم الجوزية
330
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها . فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة ، أو اعتدال في ركن ، أو ترك حرف ، أو شدّة من القرآن ، أو ترك تسبيحة ، أو قول « سمع اللّه لمن حمده » أو قول « ربنا ولك الحمد » أو ذكر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالصلاة عليه . ثم يصححها مع فوت لبّها ، ومقصودها الأعظم . وروحها وسرها . فهذا ما احتجت به هذه الطائفة . وهي حجج - كما تراها - قوة وظهورا . قال أصحاب القول الآخر : قد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح أنه قال : « إذا أذّن المؤذن أدبر الشيطان ، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين . فإذا قضي التأذين أقبل . فإذا ثوّب بالصلاة أدبر . فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه ، فيذكّره ما لم يكن يذكر . ويقول : أذكر كذا ، أذكر كذا . لما لم يكن يذكر . حتى يظلّ الرجل لا يدري كم صلى . فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس » . قالوا : فأمره النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها ، حتى لم يدر كم صلى : بأن يسجد سجدتي السهو . ولم يأمره بإعادتها ، ولو كانت باطلة - كما زعمتم - لأمره بإعادتها . قالوا : وهذا هو السر في سجدتي السهو ، ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد ، وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة . ولهذا سماهما النبي صلى اللّه عليه وسلم « المرغمتين » وأمر من سها بهما ، ولم يفصّل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير ، والغالب والمغلوب . وقال « لكل سهو سجدتان » ولم يستثن من ذلك السهو الغالب ، مع أنه الغالب . قالوا : ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة . وأما حقائق الإيمان الباطنة : فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب . فللّه تعالى حكمان : حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح . وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن . ولهذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقبل علانية المنافقين . ويكل أسرارهم إلى اللّه فيناكحون ويرثون ويورثون ، ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا ، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة ، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة ، وأحكام الثواب والعقاب . ليست إلى البشر ، بل إلى اللّه ، واللّه يتولاه في الدنيا والآخرة . قالوا : فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائي ، مع أنه لا يسقط عنه العقاب ، ولا يحصل له الثواب في الآخرة . فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره . أولى بالصحة . نعم : لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب اللّه عاجلا ولا آجلا . فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه ، واستنارته ، وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة ، والفرح والسرور ، واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على اللّه ، وحضر قلبه بين يديه ، كما يحصل لمن قرّبه السلطان منه ، وخصه بمناجاته والإقبال عليه واللّه أعلى وأجل . وكذلك ما يحصل لهذا من الدرجات العلى في الآخرة ، ومرافقة المقربين . كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع . وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا . وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض . وليس كلامنا في هذا كله . فإن أردتم وجوب الإعادة : لتحصل هذه الثمرات والفوائد : فذاك إليه إن شاء أن يحصلها