ابن قيم الجوزية

33

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد جعل صاحب المنازل « الإلهام » هو مقام المحدّثين . قال : وهو فوق مقام الفراسة . لأن الفراسة ربما وقعت نادرة ، واستصعبت على صاحبها وقتا ، أو استعصت عليه ، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد . قلت : التحديث أخص من الإلهام . فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم فكل مؤمن فقد ألهمه اللّه رشده الذي حصل له به الإيمان . فأما التحديث : فالنبي صلى اللّه عليه وسلم قال فيه « إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر » يعني من المحدّثين . فالتحديث إلهام خاص . وهو الوحي إلى غير الأنبياء إما من المكلفين ، كقوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ القصص : 7 ] وقوله : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [ المائدة : 111 ] وإما من غير المكلفين ، كقوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) [ النّحل : 68 ] فهذا كله وحي إلهام . وأما جعله فوق مقام الفراسة : فقد احتج عليه بأن الفراسة ربما وقعت نادرة كما تقدم . والنادر لا حكم له . وربما استعصت على صاحبها واستصعبت عليه فلم تطاوعه . والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد ، يعني في مقام القرب والحضور . والتحقيق في هذا : أن كل واحد من « الفراسة » و « الإلهام » ينقسم إلى عام وخاص . وخاص كل واحد منهما فوق عام الآخر ، وعام كل واحد قد يقع كثيرا ، وخاصه قد يقع نادرا . ولكن الفرق الصحيح : أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل . وأما الإلهام فموهبة مجردة ، لا تنال بكسب البتة . درجات الإلهام قال : وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : نبأ يقع وحيا قاطعا مقرونا بسماع . إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن . فليس كل خبر نبأ ، وهو نبأ خبر عن غيب معظم . ويريد بالوحي والإلهام : الإعلام الذي يقطع من وصل إليه بموجبه ، إما بواسطة سمع ، أو هو الإعلام بلا واسطة . قلت : أما حصوله بواسطة سمع : فليس ذلك إلهاما . بل هو من قبيل الخطاب . وهذا يستحيل حصوله لغير الأنبياء . وهو الذي خصّ به موسى ، إذ كان المخاطب هو الحق عزّ وجلّ . وأما ما يقع لكثير من أرباب الرياضات من سماع : فهو من أحد وجوه ثلاثة . لا رابع لها . أعلاها : أن يخاطبه الملك خطابا جزئيا . فإن هذا يقع لغير الأنبياء . فقد كانت الملائكة تخاطب عمران ابن حصين بالسلام . فلما اكتوى تركت خطابه . فلما ترك الكي عاد إليه خطاب ملكي . وهو نوعان . أحدهما : خطاب يسمعه بأذنه . وهو نادر بالنسبة إلى عموم المؤمنين . والثاني : خطاب يلقى في قلبه يخاطب به الملك روحه ، كما في الحديث المشهور « إن للملك لمّة بقلب ابن آدم . وللشيطان لمة . فلمة الملك : إيعاد بالخير ، وتصديق بالوعد . ولمة