ابن قيم الجوزية

325

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فالعجب : يفسد العمل كما يفسده الرياء . فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه . والمخاصمة للخلق : مفسدة للخلق . فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه . والإرادة : يفسدها عدم الجد ، وهو الهزل واللعب ، فيشفق على إرادته مما يفسدها فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته استقام سلوكه وقلبه وحاله . واللّه المستعان . منزلة الخشوع ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الخشوع » . قال اللّه تعالى أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [ الحديد : 16 ] قال ابن مسعود رضي اللّه عنه « ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللّه بهذه الآية إلا أربع سنين » وقال ابن عباس « إن اللّه استبطأ قلوب المؤمنين . فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن » وقال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) [ المؤمنون : 1 ، 2 ] . و « الخشوع » في أصل اللغة : الانخفاض ، والذل ، والسكون . قال تعالى وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [ طه : 108 ] أي سكنت ، وذلت ، وخضعت . ومنه وصف الأرض بالخشوع . وهو يبسها ، وانخفاضها ، وعدم ارتفاعها بالري والنبات . قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [ فصّلت : 39 ] . و « الخشوع » قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل ، والجمعية عليه ، وقيل « الخشوع » الانقياد للحق . وهذا من موجبات الخشوع . فمن علاماته : أن العبد إذا خولف وردّ عليه بالحق ، استقبل ذلك بالقبول والانقياد . وقيل « الخشوع » خمود نيران الشهوة . وسكون دخان الصدور . وإشراق نور التعظيم في القلب . وقال الجنيد : الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب . وأجمع العارفون على أن « الخشوع » محله القلب ، وثمرته على الجوارح ، وهي تظهره . و « رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « التقوى هاهنا - وأشار إلى صدره - ثلاث مرات » وقال بعض العارفين : حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن . ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين ، فقال : يا فلان ، الخشوع هاهنا . وأشار إلى صدره . لا ههنا . وأشار إلى منكبيه . وكان بعض الصحابة - رضي اللّه عنهم - وهو حذيفة ، يقول : « إياكم وخشوع النفاق . فقيل له : وما خشوع النفاق ؟ قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع » ورأى عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - رجلا طأطأ رقبته في الصلاة . فقال : « يا صاحب الرقبة ، ارفع رقبتك . ليس الخشوع في الرقاب . إنما الخشوع في القلوب » ورأت عائشة - رضي اللّه عنها - « شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم ، فقالت لأصحابها : من هؤلاء ؟ فقالوا : نسّاك . فقالت : كان عمر ابن الخطاب إذا مشى أسرع . وإذا قال : أسمع . وإذا ضرب : أوجع . وإذا أطعم : أشبع . وكان