ابن قيم الجوزية
322
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وإن كان عالما به - لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف . فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان . وترحّله من القلب علامة ترحل الإيمان منه . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثانية : خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة ، المشوبة بالحلاوة » . يريد : أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة ، واستغرقت أنفاسه فيها استحلى ذلك . فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة . فإنه ينبغي أن يخاف المكر ، وأن يسلب هذا الحضور ، واليقظة والحلاوة . فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال . ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال . فأصبح يقلّب كفّيه ويضرب باليمين على الشمال ؟ بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالي التمام . إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام . فبدّل بالأنس وحشة ، وبالحضور غيبة ، وبالإقبال إعراضا ، وبالتقريب إبعادا ، وبالجمع تفرقة . كما قيل : أحسنت ظنك بالأيام ، إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر « 1 » وسالمتك الليالي . فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال : « الدرجة الثالثة [ درجة الخاصة ] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف ، إلا هيبة الجلال . وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف » . يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة ، وأهل الخصوص أهل وصول إلى اللّه وقرب منه . فليس خوفهم خوف وحشة ، كخوف المسيئين المنقطعين . لأن اللّه عزّ وجلّ معهم بصفة الإقبال عليهم ، والمحبة لهم . وهذا بخلاف هيبة الجلال . فإنها متعلقة بذاته وصفاته . وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب ، كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم . وهي أعلى من درجة خوف العامة . قال : « وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة . وتصون المسامر أحيان المسامرة . وتفصم المعاين بصدمة العزة » . يعني أن أكثر ما تكون « الهيبة » أوقات المناجاة . وهو وقت تملق العبد ربه ، وتضرعه بين يديه ، واستعطافه ، والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه . أو مناجاته بكلامه . هذا هو مراد القوم بالمناجاة . وهذه المناجاة : توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ، ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته ، وتجليها عليه . فتعارضه « الهيبة » في خلال هذه الأوقات ، فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها . وأما صون المسامر أحيان المسامرة : فالمسامرة عندهم : أخص من المناجاة . وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه . فإن لم يقارنها هيبة جلاله ، أخذت به في
--> ( 1 ) سبحان اللّه أن يأتي قدره بالسوء . فإنه سبحانه يتجلى على عباده في كل شؤونهم ويدبرهم في كل أمورهم بأسمائه الحسنى . وإنما يكون السوء من سوء العبد وإساءته في استعمال نعمة ربه ، وسوء وضعها في غير موضعها وعلى غير وجهها الذي أحبه ربه له منها .