ابن قيم الجوزية

318

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما التسلي عن الحزن : فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب . ففقده والتسلي عنه نقص . فيحزن على فقد الحزن ، كما يبكي على فقد البكاء . ويخاف من عدم الخوف . وهذا فيه نظر . وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن . أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود - وهو الفرح بفضل اللّه ورحمته - فلا معنى للحزن على فوات الحزن . قال صاحب المنازل : « وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء . لأن الحزن فقد . والخاصة أهل وجدان » . وهذا إن أراد به : أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن : فصحيح . وإن أراد به : لا يعرض لهم حزن : فليس كذلك . والحزن من لوازم الطبيعة . ولكن ليس هو بمقام . قال « الدرجة الثالثة من الحزن : التحزن للمعارضات دون الخواطر ، ومعارضات القصود ، واعتراضات الأحكام » . هذه ثلاثة أمور ، بحسب الشهود والإرادة . الأول : حزن المعارضات . فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا . فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف ، وبالعكس . ويعترضه وارد البسط . فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض . ويرد عليه وارد الأنس . فيعترضه وارد الهيبة . فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة . وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر . بل هي من قبيل الواردات الإلهيّة . فلذلك قال : « دون الخواطر » فإن معارضات الخواطر غير هذا . وعند القوم : هذا من آثار الأسماء والصفات ، واتصال أشعة أنوارها بالقلب ، وهو المسمى عندهم بالتجلي . وأما معارضات القصود : فهي أصعب ما على القوم . وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة . فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحبّ الطرق إلى اللّه . فإنه سالك به وإليه . فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى للّه وأحب إليه . فمنهم : من يحكّم العلم بجهده استدلالا . فإن عجز فتقليدا . فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ، ويخلي باطنه من المقاصد جملة . ومنهم : من يلقي الكلّ على شيخه . إن كان له شيخ . ومنهم : من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء . ثم ينتظر ما يجري به القدر . وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضي علما ومعرفة . فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب . فإن تساوى عندهم الأمران ، قدموا أرجحهما مصلحة . ولترجيح المصالح رتب متفاوتة . فتارة تترجح بعموم النفع . وتارة تترجح بزيادة الإيمان . وتارة تترجح بمخالفة النفس . وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها . وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها . فهذه خمس جهات من الترجيح . قلّ أن يعدم واحدة منها . فإن أعوزه ذلك كله تخلّى عن الخواطر جملة . وانتظر ما يحركه به محرك القدر . وافتقر إلى ربه ، افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه . فإذا جاءته الحركة استخار اللّه ، وافتقر إليه افتقارا ثانيا ،