ابن قيم الجوزية
310
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
رجل أخطأ وامرأة أصابت » فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمة رضي اللّه عنه ، ليس كفعل من غش نفسه والدين والأمة . القاعدة الثانية : أنه إذا وقع النزاع في حكم فعل من الأفعال ، أو حال من الأحوال ، أو ذوق من الأذواق . هل هو صحيح أو فاسد ؟ وحق أو باطل ؟ وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند اللّه وعند عباده المؤمنين . وهي وحيه الذي تتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه . وتعرض عليه وتوزن به ، فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول . وما أبطله ورده فهو الباطل المردود . ومن لم يبن على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله فليس على شيء من الدين ، وإنما معه خدع وغرور كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النّور : 39 ] . القاعدة الثالثة : إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء : هل هو الإباحة أو التحريم ؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته . فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة . فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته . بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي ، ولا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما يغضب اللّه ورسوله موصلا إليه عن قرب . وهو رقية له ورائد وبريد . فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر . فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر . لأنه يسوق النفس إلى السّكر الذي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقا للنفوس إلى الحرام بكثير ؟ فإن الغناء - كما قال ابن مسعود رضي اللّه عنه - هو « رقية الزنى » وقد شاهد الناس : أنه ما عاناه صبي إلا وفسد ، ولا امرأة إلا وبغت ، ولا شاب إلّا وإلّا ، ولا شيخ إلّا وإلّا . والعيان من ذلك يغني عن البرهان ، ولا سيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور ، بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله ، من المكان والإمكان ، والعشراء والإخوان ، وآلات المعازف : من اليراع ، والدّف ، والأوتار والعيدان . وكان القوّال شادنا شجيّ الصوت ، لطيف الشمائل من المردان أو النسوان . وكان القول في العشق والوصال . والصد والهجران : ودارت كؤوس الهوى بينهم * فلست ترى فيهم صاحيا فكلّ على قدر مشروبه * وكل أجاب الهوى الداعيا فمالوا سكارى ، ولا سكر من * تناول أمّ الهوى خاليا وجار على القوم ساقيهم * ولم يؤثروا غيره ساقيا فمزّق منهم قلوبا غدت * لباسا عليه يرى ضافيا فلم يستفيقوا إلى أن أتى * إليهم منادي اللقا داعيا أجيبوا . فكل امرئ منكم * على حاله ربّه لاقيا هنالك تعلم من حمأة * شربت مع القوم ، أم صافيا ؟ وباللّه لا بد قبل اللقا * ستعلم ذا إن تك واعيا لا بد تصحو . فإما هنا * وإما هناك . فكن راضيا