ابن قيم الجوزية

306

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومبرإ من كل غبّر حيضة * وفساد مرضعة وداء مغيل « 1 » وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل وقالت « أنت أحق بهذا البيت » فسرّ بقولها . وبأن ابن عمر رضي اللّه عنهما رخص فيه ، وعبد اللّه بن جعفر ، وأهل المدينة . وبأن كذا وكذا وليا للّه حضروه وسمعوه . فمن حرمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام . وبأن الإجماع منعقد على إباحة أصوات الطيور المطربة الشجية ، فلذة سماع صوت الآدمي أولى بالإباحة ، أو مساوية . وبأن السماع يحدو روح السامع وقلبه إلى نحو محبوبه . فإن كان محبوبه حراما كان السماع معينا له على الحرام . وإن كان مباحا كان السماع في حقه مباحا . وإن كانت محبته رحمانية كان السماع في حقه قربة وطاعة . لأنه يحرك المحبة الرحمانية ويقويها ويهيجها . وبأن التذاذ الأذن بالصوت الطيب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن ، والشم بالروائح الطيبة ، والفم بالطعوم الطيبة . فإن كان هذا حراما كانت جميع هذه اللذات والإدراكات محرمة . * * * فالجواب : أن هذه حيدة عن المقصود . وروغان عن محل النزاع . وتعلق بما لا متعلق به . فإن جهة كون الشيء مستلذا للحاسة ملائما لها ، لا يدل على إباحته ولا تحريمه ، ولا كراهته ولا استحبابه . فإن هذه اللذة تكون فيما فيه الأحكام الخمسة : تكون في الحرام ، والواجب . والمكروه . والمستحب . والمباح . فكيف يستدل بها على الإباحة من يعرف شروط الدليل ، ومواقع الاستدلال ؟ . وهل هذا إلا بمنزلة من استدل على إباحة الزنى بما يجده فاعله من اللذة ، وأن لذته لا ينكرها من له طبع سليم ، وهل يستدل بوجود اللذة والملاءمة على حل اللذيذ الملائم أحد ؟ وهل خلت غالب المحرمات من اللذات ؟ وهل أصوات المعازف التي صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم تحريمها ، وأن في أمته من سيستحلها بأصح إسناد ، وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها . وقال جمهورهم بتحريم جملتها - إلا لذيذة تلذ السمع ؟ وهل في التذاذ الجمل والطفل بالصوت الطيب دليل على حكمه : من إباحة ، أو تحريم ؟ وأعجب من هذا : الاستدلال على الإباحة بأن اللّه خلق الصوت الطيب . وهو زيادة نعمة منه لصاحبه . فيقال : والصورة الحسنة الجميلة ، أليست زيادة في النعمة ، واللّه خالقها ، ومعطي حسنها ؟ أفيدل ذلك على إباحة التمتع بها ، والالتذاذ على الإطلاق بها ؟

--> ( 1 ) غير الحيض - بالضم - وغبره - بالضم وتشديد الباء الموحدة - بقاياه . وكذا بقايا اللبن في الضرع . و « المغيل » من الغيل . وهو أن تحبل المرأة وهي مرضع ، وكانت العرب تعتقد أن ذلك يضر الرضيع ، ويروى : داء معضل . أي لا دواء له . والمعنى : أنها حملت به وهي طاهر ليس بها بقية حيض . ووضعته صحيحا لم يرث منها مرضا .