ابن قيم الجوزية
291
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
من المحاذي خارجا عما حاذاه . بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه « 1 » . ومراده بذلك : القرب ، وارتفاع الوسائط المانعة منه . ولا ريب أن العبد يقرب من ربه ، والرب يقرب من عبده . فأما قرب العبد : فكقوله تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ العلق : 19 ] وقوله في الأثر الإلهي : « من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا » وكقوله « وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه . ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها . ورجله التي يمشي بها . فبي يسمع . وبي يبصر . وبي يبطش . وبي يمشي » . وفي الحديث الصحيح « أقرب ما يكون الرب من عبده : في جوف الليل الأخير » وفي الحديث أيضا « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » وفي الحديث الصحيح - لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في السفر - فقال « يا أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا . إن الذي تدعونه سميع قريب . أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » . فعبر الشيخ عن طلب القرب منه ، ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقرّ عيون عابديه وأوليائه إلا به : بالاستحذاء . وحقيقته : موافاة العبد إلى حضرته وقدّامه ، وبين يديه ، عكس حال من نبذه وراءه ظهريّا ، وأعرض عنه ونأى بجانبه ، بمنزلة من ولّى المطاع ظهره ، ومال بشقه عنه . وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه . وأحسن ما يعبر عنه : بالعبارة النبوية المحمدية ، وأقرب عبارات القوم : أنه التقريب برفع الوسائط التي بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم . فلذلك قال : « الاستحذاء له تعظيما » . ومن أراد فهم هذا - كما ينبغي - فعليه بفهم اسمه تعالى « الباطن » وفهم اسمه « القريب » مع امتلاء القلب بحبه ، ولهج اللسان بذكره . ومن ههنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذي كان مشمرا إليه ، عاملا عليه . فإن كان مشمرا إلى الفناء المتوسط . وهو الفناء عن شهود السوى ، لم يبق في قلبه شهود لغيره البتة . بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ، ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل . وفي هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها ، لأن هذا المقام امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب . وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء . وإن كان العبد مشمرا للفناء العالي ، وهو الفناء عن إرادة السوى : لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني . بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب هو مراد
--> ( 1 ) قال السيد رشيد : هذا التفسير للاستحذاء لم نجده في معاجم اللغة كلسان العرب والقاموس وشرحه . بل المعروف فيها أن معنى استحذى فلان فلانا ، طلب منه أن يلبسه حذاء . كاستطعمه واستكساه . وأظن الاستحذاء في كلام الهروي بالخاء المعجمة وهو الخضوع والانكسار للّه تعالى . وإنما تكلف المصنف له هذا التفسير لأنه وجد نسخ المنازل تذكر الاستحذاء بالمهملة . انتهى كلام السيد رشيد . ويصح كلامه إذا كان الصوفية يلتزمون المفردات والأساليب العربية . لكنهم لا يلتزمون ذلك ، بل يتخاطبون باصطلاحات قد لا تمت إلى اللغة العربية بأي صلة . والشيخ ابن القيم رحمه اللّه - أحرص على أن يكون بيده نسخة دقيقة صحيحة من المنازل .