ابن قيم الجوزية
278
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فمتى قويت إنابته وتذكره : لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب ، ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي . و « العظة » يراد بها أمران : الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة ، ونفس الرغبة والرهبة . فالمنيب المتذكر : شديد الحاجة إلى الأمر والنهي ، والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب . والمعارض المتكبر : شديد الحاجة إلى المجادلة . فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة في قوله ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النّحل : 125 ] أطلق الحكمة ، ولم يقيدها بوصف الحسنة . إذ كلها حسنة ، ووصف الحسن لها ذاتي . وأما « الموعظة » فقيدها بوصف الإحسان . إذ ليس كل موعظة حسنة . وكذلك « الجدال » قد يكون بالتي هي أحسن . وقد يكون بغير ذلك . وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ، ولينه وحدته ورفقه . فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن . ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به ، من الحجج والبراهين ، والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه ، وأدله على المقصود . وأوصله إلى المطلوب . والتحقيق : أن الآية تتناول النوعين . وأما ما ذكره بعض المتأخرين : أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات ف « الحكمة » هي طريقة البرهان . و « الموعظة الحسنة » هي طريقة الخطابة ، و « المجادلة بالتي هي أحسن » طريقة الجدل . فالأول : بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان ، ولا ينقاد إلا له . وهم خواص الناس . والثاني : بذكر المقدمات الخطابية ، التي تثير رغبة ورهبة لمن يقنع بالخطابة . وهم الجمهور . والثالث : بذكر المقدمات الجدلية للمعارض الذي يندفع بالجدل . وهم المخالفون - فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم . وذلك باطل قطعا من وجوه عديدة . ليس هذا موضع ذكرها . وإنما ذكر هذا استطرادا لذكر العظة . وأن المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض . فإنه شديد الحاجة جدا إلى العظة ليتذكر ما قد نسيه ، فينتفع بالتذكر . وأما العمى عن عيب الواعظ : فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته . لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به . وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله . والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه . بل الطبيب المذكور عندهم : أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به . لأنه قد يقوم دواء آخر عنده مقام هذا الدواء . وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي . وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك ، بخلاف هذا الواعظ . فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها . ولا بد منها . ولأجل هذه النفرة قال شعيب عليه السلام لقومه : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [ هود : 88 ] وقال بعض السلف : إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي : فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له ، المؤتمرين به . وإذا نهيت عن شيء ، فكن أول المنتهين عنه . وقد قيل : يا أيها الرجل المعلم غيره * هلّا لنفسك كان ذا التعليم ؟