ابن قيم الجوزية
268
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه . وإذا سجد القلب للّه - هذه السجدة العظمى - سجدت معه جميع الجوارح . وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم . وخشع الصوت والجوارح كلها . وذل العبد وخضع واستكان ، ووضع خده على عتبة العبودية ، ناظرا بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم . فلا يرى إلا متملقا لربه ، خاضعا له ، ذليلا مستعطفا له . يسأله عطفه ورحمته . فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له ، الذي لا غنى له عنه ، ولا بد له منه . فليس له همّ غير استرضائه واستعطافه . لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ، ومحبته له ، يقول : كيف أغضب من حياتي في رضاه ؟ وكيف أعدل عمن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره ؟ وصاحب هذا المشهد : يشهد نفسه كرجل كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب الطعام والشراب واللباس ، ويربيه أحسن التربية ، ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية . وهو القيّم بمصالحه كلها . فبعثه أبوه في حاجة له . فخرج عليه في طريقه عدو . فأسره وكتّفه وشدّه وثاقا . ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب . وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به . فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة . فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله . ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه . فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ، ويريد نحره في آخر الأمر . إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه . فرأى أباه منه قريبا . فسعى إليه . وألقى نفسه عليه ، وانطرح بين يديه . يستغيث : يا أبتاه ، يا أبتاه ، يا أبتاه ! انظر إلى ولدك وما هو فيه . ودموعه تستبق على خديه ، قد اعتنقه والتزمه ، وعدوه في طلبه ، حتى وقف على رأسه . وهو ملتزم لوالده ممسك به . فهل تقول : إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ، ويخلي بينه وبينه ؟ فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ، ومن الوالدة بولدها ؟ إذا فرّ عبد إليه ، وهرب من عدوه إليه ، وألقى بنفسه طريحا ببابه . يمرّغ خدّه في ثرى أعتابه باكيا بين يديه ، يقول : يا رب ، يا رب ، ارحم من لا راحم له سواك ، ولا ناصر له سواك ، ولا مؤوي له سواك ، ولا مغيث له سواك . مسكينك وفقيرك ، وسائلك ومؤملك ومرجيك . لا ملجأ له ولا منجى له منك إلا إليك . أنت معاذه وبك ملاذه : يا من ألوذ به فيما أؤمله * ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره * ولا يهيضون عظما أنت جابره فإذا استبصر في هذا المشهد ، وتمكن من قلبه . وباشره وذاق طعمه وحلاوته ترقّى منه إلى : المشهد الثالث عشر : وهو الغاية التي شمّر إليها السالكون . وأمّها القاصدون . ولحظ إليها العاملون . وهو مشهد العبودية والمحبة ، والشوق إلى لقائه ، والابتهاج به ، والفرح والسرور به . فتقرّ به عينه ، ويسكن إليه قلبه . وتطمئن إليه جوارحه ويستولي ذكره على لسان محبه وقلبه . فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية . وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته ، مكان إرادة معاصيه ومساخطه ، وحركات اللسان والجوارح بالطاعات ، مكان حركاتها بالمعاصي . قد امتلأ قلبه من