ابن قيم الجوزية
266
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه ، وتغير القلوب عليه ، وجفولها منه ، وانسداد الأبواب في وجهه ، وتوعر المسالك عليه ، وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه ، وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أتي ؟ ووقوعه على السبب الموجب لذلك : مما يقوي إيمانه . فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال ، رأى العز بعد الذل ، والغنى بعد الفقر ، والسرور بعد الحزن ، والأمن بعد الخوف ، والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه - ازداد إيمانا مع إيمانه . فتقوى شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته . فهذا من الذين قال اللّه فيهم : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) [ الزّمر : 35 ] . وصاحب هذا المشهد متى تبصر فيه ، وأعطاه حقه : صار من أطباء القلوب العالمين بدائها ودوائها . فنفعه اللّه في نفسه . ونفع به من شاء من خلقه . واللّه أعلم . المشهد العاشر : مشهد الرحمة : فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة والقسوة ، والكيفية الغضبية التي كانت عنده لمن صدر منه ذنب ، حتى لو قدر عليه لأهلكه ، وربما دعا اللّه عليه أن يهلكه ويأخذه ، غضبا منه للّه ، وحرصا على أن لا يعصي . فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين . ولا يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء . ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم ، والعيب لهم والذم . فإذا جرت عليه المقادير وخلي ونفسه استغاث اللّه والتجأ إليه . وتململ بين يديه تململ السليم . ودعاه دعاء المضطر . فتبدلت تلك الغلظة على المذنبين رقة . وتلك القساوة على الخاطئين رحمة ولينا . مع قيامه بحدود اللّه . وتبدّل دعاؤه عليهم دعاء لهم . وجعل لهم وظيفة من عمره . يسأل اللّه أن يغفر لهم . فما أنفعه له من مشهد ! وما أعظم جدواه عليه . واللّه أعلم . فيورثه ذلك : المشهد الحادي عشر : وهو مشهد العجز والضعف ، وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه وأضعفه ، وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول إلا بربه . فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلّبها الرياح يمينا وشمالا . ويشهد نفسه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج ، ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى . تجري عليه أحكام القدر . وهو كالآلة طريحا بين يدي وليه ، ملقى ببابه ، واضعا خدّه على ثرى أعتابه . لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهما . فالهلاك أدنى إليه من شراك نعله كشاة ملقاة بين الذئاب والسباع . لا يردها عنها إلا الراعي . فلو تخلّى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء . وهكذا حال العبد ملقى بين اللّه وبين أعدائه ، من شياطين الإنس والجن فإن حماه منهم وكفّهم عنه لم يجدوا إليه سبيلا . وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم ، بل هو نصيب من ظفر به منهم . وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقا ، ويعرف ربه . وهذا أحد التأويلات للكلام المشهور « من عرف نفسه عرف ربه » وليس هذا حديثا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . إنما هو أثر إسرائيلي بغير هذا اللفظ أيضا « يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك » وفيه ثلاث تأويلات :