ابن قيم الجوزية

25

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

بالتضمن ، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة . ويدل على الصفة الأخرى باللزوم . فإن اسم « السميع » يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة . وعلى الذات وحدها . وعلى السمع وحده بالتضمن . ويدل على اسم « الحي » وصفة الحياة بالالتزام . وكذلك سائر أسمائه وصفاته . ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه . ومن ههنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام . فإن من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة ، وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة ، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة - أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك ، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها ، وكذلك سائر صفاته . فإن اسم « العظيم » له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة اللّه ولوازمها . وكذلك اسم « العلي » واسم « الحكيم » وسائر أسمائه ، فإن من لوازم اسم « العلي » العلو المطلق ، بكل اعتبار . فله العلو المطلق من جميع الوجوه : علو القدر ، وعلو القهر ، وعلو الذات . فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه « العلي » . وكذلك اسمه « الظاهر » من لوازمه : أن لا يكون فوقه شيء ، كما في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « وأنت الظاهر ، فليس فوقك شيء » بل هو سبحانه فوق كل شيء . فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه « الظاهر » ولا يصح أن يكون « الظاهر » هو من له فوقية القدر فقط ، كما يقال : الذهب فوق الفضة ، والجوهر فوق الزجاج . لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور ، بل قد يكون المفوّق أظهر من الفائق فيها . ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط ، وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة ، لمقابلة الاسم : ب « الباطن » وهو الذي ليس دونه شيء ، كما قابل « الأول » الذي ليس قبله شيء ، ب « الآخر » الذي ليس بعده شيء . وكذلك اسم « الحكيم » من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ، ووضعه الأشياء في مواضعها ، وإيقاعها على أحسن الوجوه . فإنكار ذلك إنكار لهذا الاسم ولوازمه . وكذلك سائر أسمائه الحسنى . دلالة اسم الجلالة على الأسماء والصفات إذا تقرر هذان الأصلان . فاسم « اللّه » دال على جميع الأسماء الحسنى . والصفات العليا بالدلالات الثلاث . فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له ، مع نفي أضدادها عنه . وصفات الإلهية « 1 » : هي صفات الكمال ، المنزهة عن التشبيه والمثال ، وعن العيوب

--> ( 1 ) يريد - رحمنا اللّه وإياه - صفات الرب التي استحق بها أن يكون هو الإله وحده لا شريك له . وإلا فالآلهة الباطلة كثيرة لا تحصى ، بما اتخذ الناس بجهلهم وضلالهم تسويل الشيطان لهم ، وما زين لهم في الأرض وأغواهم فاتخذوا من دون اللّه أولياء أعطوهم من ذل القلوب وحبها ، وتعظيمها وتقديسها ، واللجأ إليهم ، ودعائهم ، وتقريبهم القرابين ، وإقامتهم الشعائر لهم - ما هو من خصائص الإلهية التي لا تليق إلا برب العالمين سبحانه وتعالى . فإنهم ما ألهوا أولياءهم هذا التأليه إلا حين دانوا بما أوحى إليهم الشيطان من أن فيهم شيئا من اللّه . سموه نورا انبثق من الرب وفاض منه ، فكانت لهم من ذلك النور والسر خصائص الرب وأسماؤه وصفاته ، من الحياة الدائمة والقدرة والغنى ، والكرم والرحمة ، والقوة والبطش والقهر ، -