ابن قيم الجوزية
240
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الشرع قضاء هذا المفرّط المضيع بدلا عن فعله العبادة في الوقت ؟ وهل ذلك إلا القياس الذي قد تبين فساده ؟ . قالوا : وأما قياسكم فعلها خارج الوقت على صحة أداء ديون الآدميين بعد وقتها ، فمن هذا النمط . لأن وقت الوجوب في حقه ليس محدود الطرفين كوقت الصلاة ، فالوجوب في حقه ليس مؤقتا محدودا ، بل هو على الفور ، كالزكاة والحج ، عند من يراه على الفور . فلا يتصور فيه إخراج عن وقت محدود هو شرط لفعله . نعم أولى الأوقات به : الوقت الأول على الفور . وتأخيره عنه لا يوجب كونه قضاء . فإن قيل : فما تصنعون بقضاء رمضان . فإنه محدود على جهة التوسعة بما بين رمضانين . ولا يجوز تأخيره مع القدرة إلى رمضان آخر ؟ ومع هذا لو أخره لزمه فعله ، وإطعام كل يوم مسكينا . كما أفتى به الصحابة رضي اللّه عنهم . وهذا دليل على أن العبادة المؤقتة لا يتعذر فعلها بعد خروج وقتها المحدود لها شرعا ؟ قيل : قد فرّق الشارع بين أيام رمضان وبين أيام القضاء . فجعل أيام رمضان محدودة الطرفين ، لا يجوز تقدمها ولا تأخرها . وأطلق أيام قضائه . فقال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 183 ، 184 ] فأطلق العدة ولم يوقتها . وهذا يدل على أنها تجزىء في أي أيام كانت ، ولم يجئ نص عن اللّه ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزىء في غيرها . وليس في الباب إلا حديث عائشة رضي اللّه عنها « كأن يكون عليّ الصوم من رمضان ؛ فلا أقضيه إلا في شعبان ، من الشغل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ومعلوم أن هذا ليس صريحا في التوقيت بما بين الرمضانين . كتوقيت أيام رمضان بما بين الهلالين . فاعتبار أحدهما بالآخر ممتنع . وجمع بين ما فرق اللّه بينهما . فإنه جعل أيام رمضان محدودة بحد لا تتقدم عنه ولا تتأخر . وأطلق أيام القضاء ، وأكد إطلاقها بقوله « أخر » وأفتى من أفتى من الصحابة بالإطعام لمن أخرها إلى رمضان آخر ، جبرا لزيادة التأخير عن المدة التي بين الرمضانين . ولا تخرج بذلك عن كونها قضاء ، بل هي قضاء . وإن فعلت بعد رمضان آخر . فحكمها في القضاء قبل رمضان وبعده واحد ، بخلاف أيام رمضان . يوضح هذا : أنه لو أفطر يوما من أيام رمضان عمدا بغير عذر لم يتمكن أن يقيم مقامه يوما آخر مثله البتة . ولو أفطر يوما من أيام القضاء قام اليوم الذي بعده مقامه . وسرّ الفرق : أن المعذور لم يتعين في حقه أيام القضاء . بل هو مخير فيها . وأي يوم صامه قام مقام الآخر . وأما غير المعذور : فأيام الوجوب متعينة في حقه لا يقوم غيرها مقامها « 1 » .
--> ( 1 ) واللّه سبحانه ذكر قضاء رمضان في أيام أخر للمرض والسفر . ولكنه لم يجعل للصلاة عذرا في التأخير إلا النوم والنسيان . ولم يأمر الحائض بقضاء صلاة أيام حيضها . وذكر أن تضييع الصلاة شرك بقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وأنه من المكذبين بالقرآن واليوم الآخر وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ وأن له الويل لأنه مكذب بيوم الدين وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ( 48 ) وفي الحديث الصحيح « من ترك الصلاة فقد أشرك » .