ابن قيم الجوزية

230

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إذا أكره الحرة على الزنى أيضا . بل لو زنى بأمة ثم قتلها . لزمه حد الزنى وقيمتها لمالكها . وهو نظير ما إذا سرقها ، ثم قتلها ، قطعت يده لسرقتها وضمنها لمالكها . قالوا : وكذلك إذا قتل في الإحرام صيدا مملوكا لمالكه . فعليه الجزاء لحق اللّه وقيمة الصيد لمالكه . وكذلك إذا غصب خمر ذمي وشربها لزمه الحد حقا للّه ، ولزمه عندكم ضمانها للذمي . ولم يلزمه ضمان عند الجمهور . لأنها ليست بمال . فلا تضمن بالإتلاف كالميتة . قالوا : وأما قولكم : إن قطع اليد مجموع الجزاء . إن أردتم : أنه مجموع العقوبة فصحيح . فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية . ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة . ولهذا يجب في حق غير الجاني . كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراها ، أو في حال نومه . أو أتلفه إتلافا مأذونا له فيه ، كالمضطر إلى أكله ، أو المضطر إلى إلقائه في البحر لإنجاء السفينة ، ونحو ذلك . فليس الضمان من العقوبة في شيء . وأما قولكم : « إن اللّه لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب » فهو لم ينفه أيضا ، وإنما سكت عنه . فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] وهذا قد اعتدى بالإتلاف . فيعتدى عليه بالتضمين . ولهذا أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة ، ولم يذكر في القرآن . وليس هذا من باب الزيادة على النص . بل من باب إعمال النصوص كلها . لا يعطل بعضها ويعمل ببعضها ، وكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المائدة : 33 ] أي عقوبتهم . قالوا : وأما حديث عبد الرحمن بن عوف : فمنقطع لا يثبت . يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور . وقد طعن في الحديث ابن المنذر . فقال : سعد بن إبراهيم مجهول ، وقال ابن عبد البر : الحديث ليس بالقوي . وأما استقرار ذلك في فطر الناس : فمن قال : إنه مستقر في فطرهم : أن الغني الواجد إذا سرق مال فقير محتاج ، أو يتيم وأتلفه . وقطعت يده : أنه لا يضمن مال هذا الفقير واليتيم ، مع تمكنه من الضمان ، وقدرته عليه ، وضرورة صاحبه وضعفه ؟ وهل المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا ؟ . وأما قولكم « لو ثبت في ذمته بعد القطع ، لكان قد ملكها » فضعيف جدا . لأنها بالإتلاف قد استقرت في ذمته . ولهذا له المطالبة ببذلها اتفاقا . وهذا الاستقرار في ذمته لا يمنع القطع . فإنه يقطع بعد إتلافها ، واستقرارها في ذمته ، فكيف يزيل القطع ما ثبت في ذمته . ويكون مبرئا له منه ؟ . وتوسط فقهاء المدينة - مالك ، وغيره - بين القولين . فقالوا : إن كان له مال ضمنها بعد القطع ، وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه . وهذا استحسان حسن جدا . وما أقربه من محاسن الشرع ، وأولاه بالقبول . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .