ابن قيم الجوزية

225

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل » ذكره البخاري . وذكر عن الحسن البصري : « ما أمنه إلا منافق . وما خافه إلا مؤمن » ولقد ذكر عن بعض الصحابة : أنه كان يقول في دعائه : « اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق . قيل : وما خشوع النفاق ؟ قال : أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع » . تاللّه لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا ، وخوفهم من النفاق شديد . وهمّهم لذلك ثقيل ، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم . وهم يدّعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل . زرع النفاق ينبت على ساقيتين : ساقية الكذب ، وساقية الرياء . ومخرجهما من عينين : عين ضعف البصيرة ، وعين ضعف العزيمة . فإذا تمت هذه الأركان الأربع : استحكم نبات النفاق وبنيانه . ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار . فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر ، وكشف المستور ، وبعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصدور . تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق : أن حواصله التي حصّلها كانت كالسراب يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النّور : 39 ] . قلوبهم عن الخيرات لاهية . وأجسادهم إليها ساعية . والفاحشة في فجاجهم فاشية . وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية . وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم ، وكانت آذانهم واعية . فهذه - واللّه - أمارات النفاق . فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية . إذا عاهدوا لم يفوا ، وإن وعدوا أخلفوا ، وإن قالوا لم ينصفوا ، وإن دعوا إلى الطاعة وقفوا ، وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل اللّه وإلى الرسول صدقوا ، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا . فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان ، والخزي والخسران ، فلا تثق بعهودهم ، ولا تطمئن إلى وعودهم ، فإنهم فيها كاذبون ، وهم لما سواها مخالفون * وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ التوبة : 75 - 77 ] . الفسوق وأما الفسوق : فهو في كتاب اللّه نوعان : مفرد مطلق . ومقرون بالعصيان . والمفرد نوعان أيضا : فسوق كفر ، يخرج عن الإسلام . وفسوق لا يخرج عن الإسلام . فالمقرون كقوله تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [ الحجرات : 7 ] . والمفرد - الذي هو فسوق كفر - كقوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [ البقرة : 26 ، 27 ] - الآية . وقوله عزّ وجلّ وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ( 99 ) [ البقرة : 99 ] وقوله وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [ السّجدة : 20 ] - الآية فهذا كله فسوق كفر .