ابن قيم الجوزية

223

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمّهم . وإن أصابهم ابتلاء من اللّه وامتحان يمحص به ذنوبهم ، ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرّهم . وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم ولا يستوي من موروثه الرسول ومن موروثهم المنافقون إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( 50 ) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) [ التّوبة : 50 ، 51 ] وقال تعالى في شأن السّلفين المختلفين ، والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط ، إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 120 ) [ آل عمران : 120 ] . كره اللّه طاعاتهم ، لخبث قلوبهم وفساد نياتهم . فثبّطهم عنها وأقعدهم . وأبغض قربهم منه وجواره ، لميلهم إلى أعدائه . فطردهم عنه وأبعدهم . وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم . وأشقاهم وما أسعدهم . وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده ، إلا أن يكونوا من التائبين . فقال تعالى : * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [ التوبة : 46 ] ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم ، وطردهم عن بابه وإبعادهم ، وأن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم . فقال ، وهو أحكم الحاكمين لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) [ التوبة : 47 ] . ثقلت عليهم النصوص فكرهوها . وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها . وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها . وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها . ولقد هتك اللّه أستارهم ، وكشف أسرارهم ، وضرب لعباده أمثالهم . واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم ، فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر ، وبينها لهم . فقال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 9 ) [ محمّد : 9 ] . هذا شأن من ثقلت عليه النصوص ، فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه . فهي في وجهه كالبنيان المرصوص . فباعها بمحصّل من الكلام الباطل . واستبدل منها بالفصوص « 1 » فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ( 26 ) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ [ محمّد : 26 ، 28 ] . أسرّوا سرائر النفاق . فأظهرها اللّه على صفحات الوجوه منهم ، وفلتات اللسان . ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان . وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد . كيف ؟ والناقد البصير قد كشفها لكم أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي

--> ( 1 ) هو كتاب « الفصوص » لابن عربي الاتحادي الذي قرر فيه أن الأنبياء كلهم ضلال جاهلون ، وأن فرعون كان أعرف بالحق وأهدى إليه من موسى ، وعلل حب الرسول صلى اللّه عليه وسلم للنساء بما تقشعر منه الأبدان ، ولا يستطيع المسلم أن يحكيه لتناهيه في الشناعة والوقاحة في الكفر . فهو مع حبيبه فرعون . قد برئ من الأنبياء والمرسلين . والعجب ممن يعتذر له عن مقالاته الشنيعة .