ابن قيم الجوزية
220
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) [ البقرة : 11 ، 12 ] . المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر ، مبخوس حظه من المعقول والدائر مع النصوص عندهم كحمار يحمل أسفارا . فهمّه في حمل المنقول . وبضاعة تاجر الوحي لديهم كاسدة ، وما هو عندهم بمقبول . وأهل الاتباع عندهم سفهاء فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) [ البقرة : 13 ] . لكل منهم وجهان . وجه يلقى به المؤمنين ، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين . وله لسانان : أحدهما يقبله بظاهره المسلمون ، والآخر يترجم به عن سره المكنون وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) [ البقرة : 14 ] . قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا . وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه أشرا واستكبارا . فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 ) [ البقرة : 15 ] . خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات . فركبوا مراكب الشّبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات . فلعبت بسفنهم الريح العاصف . فألقتها بين سفن الهالكين أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) [ البقرة : 16 ] . أضاءت لهم نار الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال . ثم طفئ ذلك النور ، وبقيت نارا تأجّج ذات لهب واشتعال . فهم بتلك النار معذبون . وفي تلك الظلمات يعمهون مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) [ البقرة : 17 ] . أسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان ، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن ، وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) [ البقرة : 18 ] . صاب عليهم صيّب الوحي ، وفيه حياة القلوب والأرواح . فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي وظّفت عليهم في المساء والصباح . فجعلوا أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم . وجدّوا في الهرب . والطلب في آثارهم والصياح . فنودي عليهم على رؤوس الأشهاد . وكشفت حالهم للمستبصرين ، وضرب لهم مثلان بحسب حال الطائفتين منهم : المناظرين ، والمقلدين . فقيل أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) [ البقرة : 19 ] . ضعفت أبصار بصائرهم عن احتمال ما في الصيب من بروق أنواره وضياء معانيه . وعجزت أسماعهم عن تلقي رعود وعوده وأوامره ونواهيه ، فقاموا عند ذلك حيارى في أودية التيه ، لا ينتفع بسمعه السامع ، ولا يهتدي ببصره البصير . كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 20 ] . لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن . بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان -