ابن قيم الجوزية

193

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ما أمر به وترك ما نهى عنه . وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات : 11 ] وتارك المأمور ظالم ، كما أن فاعل المحظور ظالم . وزوال اسم « الظلم » عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين . فالناس قسمان : تائب وظالم . ليس إلا . فالتائبون هم : الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [ التّوبة : 112 ] فحفظ حدود اللّه : جزء التوبة . والتوبة هي مجموع هذه الأمور . وإنما سمي تائبا : لرجوعه إلى أمر اللّه من نهيه ، وإلى طاعته من معصيته « 1 » ، كما تقدم . فإذا « التوبة » هي حقيقة دين الإسلام ، والدين كله داخل في مسمى « التوبة » وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب اللّه . فإن اللّه يحب التوابين ويحب المتطهرين . وإنما يحب اللّه من فعل ما أمر به . وترك ما نهى عنه . فإذا « التوبة » هي الرجوع مما يكرهه اللّه ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا . ويدخل في مسماها الإسلام ، والإيمان ، والإحسان . وتتناول جميع المقامات . ولهذا كانت غاية كل مؤمن ، وبداية الأمر وخاتمته . كما تقدم . وهي الغاية التي وجد لأجلها الخلق . والأمر والتوحيد جزء منها . بل هو جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها . وأكثر الناس لا يعرفون قدر « التوبة » ولا حقيقتها ، فضلا عن القيام بها علما وعملا وحالا . ولم يجعل اللّه تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه . ولولا أن « التوبة » اسم جامع لشرائع الإسلام ، وحقائق الإيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم . فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيل « التوبة » وآثارها . التوبة والاستغفار وأما « الاستغفار » فهو نوعان : مفرد ومقرون بالتوبة . فالمفرد : كقول نوح عليه السلام لقومه : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) [ نوح : 10 ، 11 ] وكقول صالح لقومه لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ النّمل : 46 ] وكقوله تعالى وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 199 ] وقوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 ) [ الأنفال : 33 ] والمقرون كقوله تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [ هود : 3 ] وقول هود لقومه اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً [ هود : 52 ] وقول صالح لقومه هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [ هود : 61 ] وقول شعيب وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ

--> ( 1 ) بل لرجوعه إلى اللّه مولاه وحبيبه . وتخليصه نفسه من عدوه . فإن عدوه يريده لشقائه . فيجذبه إليه بحبل الحيوانية وسفهها وجهلها وشهواتها . واللّه مولاه يريده لسعادته ، وهو يتودد إليه بجميع ما يعطيه في نفسه وما سخر له ، ويجذبه إليه بأسباب نعمه التي لا تحصى . ومن أقواها : آياته في الأنفس والآفاق ، وسننه التي لا تتبدل . وما يوحي اللّه إلى رسله من الهدى والبصائر قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) [ الأنعام : 104 ] .