ابن قيم الجوزية

18

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والتوحيد ؟ وهو قادر متكلم ، غني . وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله . فقوله صدق ورشد ونصح وهدى . وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة . هذا أصح الأقوال في الآية . وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره . ومن ذكر غيره قدمه على الأقوال ، ثم حكاها بعده ، كما فعل البغوي . فإنه جزم به ، وجعله تفسير الآية . ثم قال : وقال الكلبي : يدلكم على صراط مستقيم . قلت : ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه سبحانه على الصراط المستقيم . فإن دلالته بفعله وقوله ، وهو على الصراط المستقيم في أفعاله وأقواله . فلا يناقض قول من قال : إنه سبحانه على الصراط المستقيم . قال : وقيل : هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمر بالعدل . وهو على صراط مستقيم . قلت : وهذا حق لا يناقض القول الأول . فاللّه على الصراط المستقيم ، ورسوله عليه . فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه . وعلى هذا يكون المثل مضروبا لإمام الكفار وهاديهم ، وهو الصنم الذي هو أبكم ، لا يقدر على هدى ولا خير . ولإمام الأبرار ، وهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي يأمر بالعدل . وهو على صراط مستقيم « 1 » . وعلى القول الأول : يكون مضروبا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار . والقولان متلازمان . فبعضهم ذكر هذا . وبعضهم ذكر هذا . وكلاهما مراد في الآية . قال ، وقيل : كلاهما للمؤمن والكافر . يرويه عطية عن ابن عباس . وقال عطاء : الأبكم : أبيّ بن خلف ، ومن يأمر بالعدل : حمزة وعثمان بن عفان ، وعثمان بن مظعون . قلت : والآية تحتمله . ولا يناقض القولين قبله ، فإن اللّه على صراط مستقيم ، ورسوله وأتباع رسوله . وضد ذلك : معبود الكفار وهاديهم ، والكافر التابع والمتبوع والمعبود . فيكون

--> ( 1 ) وهذا هو الأحق بالآية والأنسب بالسياق . فإنه سبحانه يذكر أنه ما أفسد عقول المشركين إلا أولئك الطواغيت المستكبرون ، والأصنام الحية الأجسام ، الميتة القلوب والأرواح ، من الشيوخ الدجاجلة والسادة الصادين للعامة والدهماء عن صراط اللّه المستقيم ، فإنهم يأمرون بالجور وأظلم الظلم ، ويدعون إلى التقليد الأعمى وقتل الإنسانية العاقلة المميزة ، ليتهيأ لهم استعباد الناس ، وإيقاعهم في الشرك الأكبر والوثنية . وليعيش أولئك الطواغيت عالة وكلا على أولئك المستذلين الأغفال المستعبدين لهم ولموتاهم ، غارقين في لين العيش - مما يأخذون بدجلهم وإضلالهم من عصارة عرق ودماء الصناع والزراع - من أولئك الأغفال ، بحساب أنهم رجال الدين الذين لا ينبغي أن تكد أيديهم ، أو تتعب أجسامهم في صناعة أو زراعة ، لأنهم حملة الدين وحماته ، ورجال الكهنوت ، فهم - مع هذا الدجل والضلال والإضلال ، والعطل عن إفادة الأمة بعمل مجد نافع - يذل لهم العامة ويستخذون ، ويجرون وراءهم على غير هدى ولا بينة . ويتركون طاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم واتباعه فيما دعاهم إليه من الدين الحق الذي أنزله اللّه لإعزاز الإنسانية ، وتحطيم أغلال التقليد والجهالة عنها ، لتخرج إلى الحياة الطيبة ، عارفة بنعم ربها شاكرة لها . وهذا الرسول الداعي إلى الهدى والعدل هو الذي عاش من طفولته شاكرا لأنعم ربه ، يعمل بيديه ورجليه وعقله الأعمال النافعة المثمرة ، فيعود بها على الناس برا وإحسانا وإطعاما للجائع ، ومواساة لليتيم والأرمل ، وسدادا لعوز المعوزين ، وهو يأمرهم بما أوحى اللّه إليه بالعدل والإحسان في كل نعم اللّه عليهم ، بتكريم الإنسانية أن تذل وتستعبد إلا للّه العلي العظيم . فتعبده وحده ، ولا تعبده إلا بما شرع ، لتحيا بذلك الحياة الطيبة ، وتحظى في الآخرة بأحسن المثوبة وخير الجزاء من الرحمن الرحيم .