ابن قيم الجوزية

172

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

غائب عن استحضاره بقلبه . فكيف يكون هذا أكمل وأعلى من حال من استحضر فعله وعبوديته ، وأضافهما إلى اللّه ، وشهد مع ذلك كونهما به ؟ فأين هذا من حال المستغرق الفاني المصطلم . الذي قد غاب بمعبوده عن حقه . وقد أخذ منه وغيب عنه ؟ . نعم غاية هذا : أن يكون معذورا . أما أن يكون مقامه أعلى مقام وأجله : فكلّا . وكذلك إذا قال في قراءته : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » فعبودية هذا القول : فهم معنى العبادة والاستعانة . واستحضارهما ، وتخصيصهما باللّه ، ونفيهما عن غيره . فهذا أكمل من قول ذلك بمجرد اللسان . وكذلك إذا قال في ركوعه : « اللهم لك ركعت . وبك آمنت . ولك أسلمت . خشع لك سمعي وبصري ومخّي وعظمي ، وما استقلّت به قدمي » فكيف يؤدي عبودية هذه الكلمات غائب عن فعله ، مستغرق في فنائه ؟ وهل يبقى غير أصوات جارية على لسانه ؟ ولولا العذر لم تكن هذه عبودية . نعم . رؤية هذه الأفعال والوقوف عندها ، والاحتجاب بها عن المنعم بها الموفق لها ، المانّ بها : من أعظم العلل القواطع . قال تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) [ الحجرات : 17 ] فالعارف غائب بمنة اللّه عليه في طاعته ، مع شهودها ورؤيتها . والجاهل غائب بها عن رؤية منة اللّه . والفاني غائب باستغراقه في الفناء وشهود القيومية عن شهودها . وهو ناقص . وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . تأخير التوبة ذنب تجب التوبة منه ونذكر نبذا تتعلق بأحكام التوبة ، تشتد الحاجة إليها . ولا يليق بالعبد جهلها . منها : أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور . ولا يجوز تأخيرها . فمتى أخرها عصى بالتأخير . فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى . وهي توبته من تأخير التوبة . وقلّ أن تخطر هذه ببال التائب ، بل عنده : أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر . وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة . ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة ، مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم . فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه ، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنا من العلم ، فإنه عاص بترك العلم والعمل ، فالمعصية في حقه أشد ، وفي « صحيح ابن حبان » : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل . فقال أبو بكر : فكيف الخلاص منه يا رسول اللّه ؟ قال : أن تقول : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم » . فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه اللّه أنه ذنب ، ولا يعلمه العبد . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم « أنه كان يدعو في صلاته : اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافي في أمري ، وما أنت أعلم به مني . اللهم اغفر لي جدّي وهزلي ، وخطأي وعمدي . وكلّ ذلك عندي . اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت أعلم به مني . أنت إلهي لا إله إلا أنت » .