ابن قيم الجوزية
167
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
عن كل ما يخالف أمره ومحابه . ونفيهم لكل ما يضاد كماله وجلاله . ومن له فرقان فهو يعرف هذا وهذا . وغيره لا اعتبار به . وصاحب المنازل - رحمه اللّه - كان شديد الإثبات للأسماء والصفات ، مضادا للجهمية من كل وجه . وله كتاب « الفاروق » استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها . ولم يسبق إلى مثله ، وكتاب « ذم الكلام وأهله » طريقته فيه أحسن طريقة . وكتاب لطيف في أصول الدين ، يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقررها . وله مع الجهمية المقامات المشهودة . وسعوا بقتله إلى السلطان مرارا عديدة . واللّه يعصمه منهم . ورموه بالتشبيه والتجسيم ، على عادة بهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة والحديث ، الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة . ولكنه - رحمه اللّه - كانت طريقته في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء والصفات . فإنه لا يقدم على الفناء شيئا . ويراه الغاية التي يشمّر إليها السالكون ، والعلم الذي يؤمه السائرون . واستولى عليه ذوق الفناء وشهود الجمع ، وعظم موقعه عنده . واتسعت إشاراته إليه . وتنوعت به الطرق الموصلة إليه ، علما وحالا وذوقا . فتضمن ذلك تعطيلا من العبودية ، باديا على صفحات كلامه ، وزان تعطيل الجهمية لما اقتضته أصولهم من نفي الصفات « 1 » . ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له - من السالكين - تولد منهما القول بوحدة الوجود ، المتضمن لإنكار الصانع وصفاته ، وعبوديته . وعصم اللّه أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات . فأشرف من عقبة الفناء على وادي الاتحاد بأرض الحلول . فلم يسلك فيها . ولوقوفه على عقبته ، وإشرافه على تلك الربوع الخراب ، ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة ، أقسمت الاتحادية باللّه جهد أيمانهم : إنه لمعهم ، ومنهم . وحاشاه . وتولى شرح كتابه أشدهم في الاتحاد طريقة ، وأعظمهم فيه مبالغة وعنادا لأهل الفرق : العفيف التلمساني « 2 » ونزّل الجمع الذي يشير إليه صاحب المنازل على جمع الوجود . وهو لم يرد به - حيث ذكره - إلا جمع الشهود . ولكن الألفاظ مجملة ، وصادفت قلبا مشحونا بالاتحاد ، ولسانا فصيحا متمكنا من التعبير عن المراد وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النّور : 40 ] . توبة الأوساط من استقلال العبد المعصية قال : « وتوبة الأوساط : من استقلال العبد المعصية . وهو عين الجرأة والمبارزة ، ومحض التزين بالحمية ، والاسترسال للقطيعة » . يريد : أن استقلال المعصية ذنب ، كما أن استكثار الطاعة ذنب . والعارف من صغرت
--> ( 1 ) فإذا كان العمل في طريق غير طريق العقيدة : هل يكون هذا استقامة على ما أحب اللّه وشرع ؟ واللّه عليم بذات الصدور . ( 2 ) هو سليمان بن علي من كبار شيوخ الصوفية وأصحاب المقامات الرفيعة فيهم . نقل عنه أن الحلال والحرام خاص بالمحجوبين . ولا فرق عنده بين الأجنبية والأم والبنت في النكاح ، وأن القرآن كله شرك ، وكلامهم هو التوحيد ، كقوله : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه عينه