ابن قيم الجوزية
160
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
حيث كان . وصارت لهم هذه العقائد مشاهد . وكل أحد إذا ارتاض وصفا باطنه : تجلى له فيه صورة معتقده . فهو يشاهدها بقلبه فيظنها حقا . فهذا حال هذه الطائفة . وقالت القدرية النفاة : ليست المعاصي محبوبة للّه ولا مرضية له . فليست مقدرة له ولا مقضية . فهي خارجة عن مشيئته وخلقه . قالوا : ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء ، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها . فليست إذا بقضاء اللّه . إذ الرضا والقضاء متلازمان ، كما أن محبته ومشيئته متلازمان ، أو متحدان . وهؤلاء لا يجيء من سالكيهم وعبّادهم ما جاء من سالكي الجبرية وعبادهم البتة ، لمنافاة عقائدهم لمشاهد أولئك وعقائدهم . بل غايتهم : التعبد والورع . وهم في تعظيم الذنوب والمعاصي خير من أولئك . وأولئك قد يكونون أقوى حالا وتأثيرا منهم . فمنشأ الغلط : التسوية بين المشيئة والمحبة ، واعتقادهم وجوب الرضا بالقضاء . ونحن نبين ما في الفصلين إن شاء اللّه تعالى . فإن القوة للّه جميعا . شهود الجبرية والقدرية فأما المشيئة ، والمحبة : فقد دل على الفرق بينهما القرآن والسنة ، والعقل ، والفطرة ، وإجماع المسلمين . قال اللّه تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [ النّساء : 108 ] فقد أخبر أنه لا يرضى بما يبيتونه من القول ، المتضمن البهت ، ورمي البريء ، وشهادة الزور ، وبراءة الجاني . فإن الآية نزلت في قصة هذا شأنها ، مع أن ذلك كله بمشيئته . إذ أجمع المسلمون على أنه ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن . ولم يخالف في ذلك إلا القدرية المجوسية ، الذين يقولون : يشاء ما لا يكون . ويكون ما لا يشاء . وتأويل من تأول الآية على أنه لا يرضاه دينا ، مع محبته لوقوعه : مما ينبغي أن يصان كلام اللّه عنه . إذ المعنى عندهم : أنه محبوب له . ولكن لا يثاب فاعله عليه . فهو محبوب بالمشيئة ، غير مثاب عليه شرعا . ومذهب سلف الأمة وأئمتها : أنه مسخوط للرب ، مكروه له قدرا وشرعا ، مع أنه وجد بمشيئته وقضائه . فإنه يخلق ما يحب وما يكره . وهذا كما أن الأعيان كلها خلقه . وفيها ما يبغضه ويكرهه - كإبليس وجنوده ، وسائر الأعيان الخبيثة - وفيها ما يحبه ويرضاه - كأنبيائه ورسله ، وملائكته وأوليائه - وهكذا الأفعال كلها خلقه . ومنها ما هو محبوب له وما هو مكروه له . خلقه لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان . وقال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] مع أنه بمشيئته وقضائه وقدره . وقال تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [ الزّمر : 7 ] فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره . وأحدهما محبوب له مرضي . والآخر مبغوض له مسخوط . وكذلك قوله - عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر - كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) [ الإسراء : 38 ] فهو مكروه له ، مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره .