ابن قيم الجوزية
139
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وعلى القول الثاني : إنه لم يكن ظالما لهم في إهلاكهم ، فإنه لم يهلكهم وهم مصلحون ! وإنما أهلكهم وهم ظالمون . فهم الظالمون لمخالفتهم ، وهو العادل في إهلاكهم ، والقولان في آية الأنعام أيضا : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ [ الأنعام : 131 ] . قيل : لم يكن مهلكهم بظلمهم ، وشركهم وهم غافلون . لم ينذروا ولم يأتهم رسول . وقيل : لم يهلكهم قبل التذكير بإرسال الرسول . فيكون قد ظلمهم ، فإنه سبحانه لا يأخذ أحدا ولا يعاقبه إلا بذنبه ، وإنما يكون مذنبا إذا خالف أمره ونهيه . وذلك إنما يعلم بالرسل . فإذا شاهد العبد القدر السابق بالذنب ، علم أن اللّه سبحانه قدّره سببا مقتضيا لأثره من العقوبة ، كما قدر الطاعة سببا مقتضيا للثواب . وكذلك تقدير سائر أسباب الخير والشر ، كجعل السم سببا للموت ، والنار سببا للإحراق . والماء سببا للإغراق . فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك - وقد عرف أنه سبب الهلاك - فهلك فالحجة مركبة عليه ، والمؤاخذة لازمة له ، كالحريق مثلا . والذنب ، كالنار ، وإتيانه له ، كتقديمه نفسه للنار ، وملاحظة الحكم فيما لا يجدي عليه شيئا . فإنما الذي يشهده عند قيام الحجة عليه : ملاحظة الأمر ، لا ملاحظة القدر . فجعل صاحب المنازل هذه اللطيفة من ملاحظة الجناية والقضية ليس بالبين . بل هو من ملاحظة الجناية والأمر . لكن مراده : أن سر التقدير : أنه قد علم أن هذا العبد لا يصلح إلا للوقود ، كالشوك الذي لا يصلح إلا للنار . والشجرة تشتمل على الثمر والشوك . فاقتضى عدله سبحانه أن يسوق هذا العبد إلى ما لا يصلح إلا له ، وأن يقيم عليه حجة عدله . فإن قدّر عليه الذنب فواقعه . فاستحق ما خلق له . قال اللّه تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) [ يس : 69 ، 70 ] . فأخبر سبحانه أن الناس قسمان : حي قابل للانتفاع . يقبل الإنذار وينتفع به ، وميت لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به . لأن أرضه غير زاكية ولا قابلة لخير البتة . فيحق عليه القول بالعذاب . وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه . لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان . بل لأنه غير قابل ولا فاعل . وإنما يتبين كونه غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالرسول ، إذ لو عذبه بكونه غير قابل لقال : لو جاءني رسول منك لامتثلت أمرك . فأرسل إليه رسوله . فأمره ونهاه . فعصى الرسول بكونه غير قابل للهدى ، فعوقب بكونه غير فاعل . فحق عليه القول : إنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول ، كما قال تعالى : و كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) [ يونس : 33 ] وحق عليه العذاب . كقوله تعالى : وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 6 ) [ غافر : 6 ] . فالكلمة التي حقت كلمتان : كلمة الإضلال ، وكلمة العذاب . كما قال تعالى : وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [ الزّمر : 71 ] وكلمته سبحانه ، إنما حقت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم . فحقت عليهم كلمة حجته ، وكلمة عدله بعقوبته . وحاصل هذا كله : أن اللّه سبحانه ، أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم . لا مع مراد أنفسهم . فأهل طاعته آثروا اللّه ومراده على مرادهم . فاستحقوا كرامته . وأهل معصيته آثروا