ابن قيم الجوزية
121
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
اللّه ، ولا في نفس الأمر . فاللّه عزّ وجلّ قد أعذر إليه . وأزال عذره بالكلية ولو كان معذورا في نفس الأمر عند اللّه لما عاقبه البتة . فإن اللّه عزّ وجلّ أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب عذر . فلا أحد أحب إليه العذر من اللّه . ومن أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ، إزالة لأعذار خلقه . لئلا يكون لهم عليه حجة . ومعلوم أن طالب عذرهم ومصححه مقيم لحجة قد أبطلها اللّه من جميع الوجوه فللّه الحجة البالغة . ومن له عذر من خلقه - كالطفل الذي لا يميز ، والمعتوه ، ومن لم تبلغه الدعوة ، والأصم الأعمى الذي لا يبصر ولا يسمع - فإن اللّه لا يعذب هؤلاء بلا ذنب البتة . وله فيهم حكم آخر في المعاد . يمتحنهم بأن يرسل إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم . فمن أطاع الرسول منهم ، أدخله الجنة . ومن عصاه أدخله النار . حكى ذلك أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والحديث في « مقالاته » . وفيه عدة أحاديث بعضها في « مسند » أحمد ، كحديث الأسود بن سريع ، وحديث أبي هريرة . ومن طعن في هذه الأحاديث بأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف : فهذه الأحاديث مخالفة للعقل . فهو جاهل . فإن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار ، الجنة أو النار . وإلا فالتكليف واقع في البرزخ وفي العرصات . ولهذا يدعوهم إلى السجود له في الموقف . فيسجد المؤمنون له طوعا واختيارا . ويحال بين الكفار والمنافقين وبين السجود . والمقصود : أنه لا عذر لأحد البتة في معصية اللّه ، ومخالفة أمره . مع علمه بذلك ، وتمكنه من الفعل والترك . ولو كان له عذر لما استحق العقوبة واللوم . لا في الدنيا ولا في العقبى . فإن قيل : هذا كلام بلسان الحال بالشرع ، ولو نطقت بلسان الحقيقة ، لعذرت الخليقة . إذ هم صائرون إلى مشيئة اللّه فيهم ، وما قضاه وقدره عليهم ، ولا بد . فهم مجار لأقداره . وسهامها نافذة فيهم . وهم أغراض لسهام الأقدار لا تخطئهم البتة . ولكن من غلب عليه مشاهدة الحكم الشرعي لم يمكنه طلب العذر لهم ، ومن غلب عليه مشاهدة الحكم الكوني عذرهم ، فأنت معذور في الإنكار علينا بحقيقة الشرع ، ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم ، وكلانا مصيب . فالجواب من وجوه . أحدها : أن يقال : العذر إن لم يكن مقبولا لم يكن نافعا والاعتذار بالقدر غير مقبول . ولا يعذر أحد به ، ولو اعتذر فهو كلام باطل لا يفيد شيئا البتة بل يزيد في ذنب الجاني ، ويغضب الرب عليه ، وما هذا شأنه لا يشتغل به عاقل . الثاني : أن الاعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه ، وتنزيه ساحته . وهو الظالم الجاهل . والجهل على القدر نسبة الذنب إليه ، وتظليمه بلسان الحال والقال ، بتحسين العبارة وتلطيفها . وربما غلبه الحال . فصرح بالوجد ، كما قال بعض خصماء اللّه « 1 » : ألقاه في اليمّ مكتوفا ، وقال له : * إياك إياك أن تبتلّ بالماء وقال خصم آخر :
--> ( 1 ) قال في هامش الأصل : هذا الخصم هو الحسين بن منصور الحلاج . وذكر ملخص ترجمته في ابن خلكان .