ابن قيم الجوزية

107

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما كذبهم على نبيهم : فاعتقادهم أنه إنما كان قيامه بالأوراد والعبادات لأجل التشريع ، لا لأنها فرض عليه . إذ قد سقط ذلك عنه بشهود الحقيقة ، وكمال اليقين . فإن اللّه عزّ وجلّ أمره وأمر سائر رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم . فقال : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 99 ] وهو الموت بالإجماع كما قال في الآية الأخرى عن الكفار : وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) [ المدّثّر : 46 ، 47 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه » قاله لما مات عثمان . وقال المسيح : قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) [ مريم : 30 ، 31 ] فهذه وصية اللّه للمسيح ، وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم . قال الحسن : لم يجعل اللّه لعبده المؤمن أجلا دون الموت . وإذا جمع هؤلاء التّجهّم في الأسماء والصفات إلى شهود الحقيقة والوقوف عندها ، فأعاذك اللّه من تعطيل الرب وشرعه بالكلية . فلا رب يعبد . ولا شرع يتبع بالكلية . ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسيّر طرفه بين تلك المعالم . وليقف على تلك المعاهد . وليسأل الأحوال والرسوم والشواهد ، فإن لم تجبه حوارا « 1 » ، أجابته حالا واعتبارا . وإنما يصدّق بهذا من رافق السالكين ، وفارق القاعدين وتبوأ الإيمان . وفارق عوائد أهل الزمان . ولم يرض بقول القائل : دع المعالي ، لا تنهض لبغيتها * واقعد . فإنك أنت الطاعم الكاسي الدرجة الثالثة من درجات الفناء : فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين « 2 » وهو الفناء عن إرادة السوى ، شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه ، سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه . فانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه ، فضلا عن إرادة غيره ، قد اتحد مراده بمراد محبوبه - أعني المراد الديني الأمري ، لا المراد الكوني القدري - فصار المرادان واحدا . وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا ، والاتحاد في العلم والخبر . فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا ، مع تباين الإرادتين والعلمين والخبرين . فغاية المحبة : اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب . وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب . فهذا الاتحاد والفناء : هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم . فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه ، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه ، والاستعانة به ، والطلب منه ، عن حب ما سواه ، وخوفه ورجائه والتوكل عليه . ومن تحقيق هذا الفناء : أن لا يحب إلا في اللّه ، ولا يبغض إلا فيه . ولا يوالي إلا فيه .

--> ( 1 ) الحوار المحاورة والمراجعة في الكلام . ( 2 ) هل ورد هذا وصفا لهم في كتاب اللّه ، أو على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أو عرف الصحابة والتابعون لهم بإحسان هذا ؟ كلا ، بل وإنه من الاصطلاحات التي مهما حاول أمثال الشيخ ابن القيم - رحمه اللّه وغفر لنا وله - تأويلها فلن تحول عن وضعها التي وضعها عليه مصطلحوها . ولا تفهم إلا على مقصودهم وعرفهم لصراحتها .