ابن قيم الجوزية

104

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وصوله إلى أن يشهد استواء هؤلاء والمؤمنين الأبرار ، وأولياء اللّه وخاصة عباده ، في هذه الحقيقة . ومع هذا فلا بد له من الفرق ، والموالاة والمعاداة ضرورة . فينسلخ عن الفرق الشرعي ، ويعود إلى الفرق الطبعي النفسي بهواه وطبعه . إذ لا بد أن يفرق بين ما ينفعه فيميل إليه ، وما يضره فيهرب منه . فبينا هو منكر على أهل الفرق الشرعي ، ناكبا عن طريقتهم إلى عين الجمع ، إذ انتكس وارتكس . وعاد إلى الفرق الطبعي النفسي . فيوالي ويعادي ، ويحب ويبغض ، بحسب هواه وإرادته . فإن الفرق أمر ضروري للإنسان ، فمن لم يكن فرقه قرآنيا محمديا ، فلا بد له من قانون يفرق به : إما سياسة سائس فوقه ، أو ذوق منه أو من غيره ، أو رأي منه أو من غيره ، أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب مجرد شهوته وغرضه أين توجهت به . فلا بد من التفريق بأحد هذه الوجوه . فلينظر العبد من الحاكم عليه في الفرق . وليزن به إيمانه قبل أن يوزن ، وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب ، وليستبدل الذهب بالخزف ، والدّرّ بالبعر ، والماء الزلال بالسراب الذي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النّور : 39 ] قبل أن يسأل الرجعة إلى دار الصّرف ، فيقال : هيهات ! اليوم يوم الوفاء . وما مضى فقد فات . أحصي المستخرج والمصروف ، وستعلم الآن ما معك من النقد الصحيح والزيوف . وأصحاب هذه الحقيقة : أتباع كل ناعق . يميلون مع كل صائح . لم يستضيئوا بنور العلم . ولم يلجأوا إلى ركن وثيق . إذا تناهوا في حقيقتهم أضافوا الجميع إلى اللّه إضافة المحبة والرضى ، وجعلوها عين المشيئة والخلق . ضاهؤوا الذين قال اللّه تعالى فيهم : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [ النحل : 35 ] وقولهم عن آلهتهم لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزّخرف : 20 ] وقوله : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] فاحتجوا بإقرار اللّه لهم قدرا وكونا ، على رضاه ومحبته وأمره ، وأنه لو كره ذلك منهم لحال بينهم وبينه ، ولما أقرهم عليه . فجعلوا قضاءه وقدره عين محبته ورضاه . وورثهم من سوّى بين المخلوقات . ولم يفرق بالفرق النبوي القرآني . وطائفة من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر اللّه ونهيه ، وما بعث به رسله ، بقضائه وقدره . فعارضوا الحقيقة الدينية الشرعية بالحقيقة الكونية القدرية . وورثهم من يحتج بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنهي . وكلا الطائفتين أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره . وظنت طائفة ثالثة أن إثبات القضاء والقدر يبطل الشرائع والنبوات . وأن المشركين احتجوا على بطلانها بإثباته . فجعلت التكذيب به من أصول الإيمان ، بل أعظم أصوله . فردت قضاء اللّه وقدره الشامل العام بأمره ونهيه . فانظر إلى اقتسام الطوائف هذا الموضع ، وافتراقهم في مفرق هذا الطريق علما وخبرا ، وسلوكا وحقيقة . وتأمل أحوال الخلق في هذا المقام ، تنكشف لك أسرار العالمين . وتعلم أين أنت وأين مقامك ؟ وتعرف ما جنى هذا الجمع ، وهذا الفناء على الإيمان . وما خرب من القواعد والأركان . وتتحقق حينئذ أن الدين كله فرقان في القرآن ، فرق في جمع ، وكثرة في وحدة ، كما تقدم بيانه . وأن أولى الناس باللّه وكتبه ورسله ودينه : أصحاب الفرق في الجمع . فيقومون بالفرق