داود القيصري
53
شرح تائية ابن الفارض الكبرى
202 - ولم يبق هول دونها ما ركبته ، وأشهد نفسي فيه غير زكيّة 202 - أي : لم يبق أمر عظيم صعب عند النفس إلّا ركبته ودخلت فيه حال سلووكي طريق الحق . ومع ذلك كنت أشاهد نفسي فيه غير طاهرة عن دنس الرياء ورجس الشرك الخفي . أي كنت أجعل نفسي في ارتكاب ذلك الأمر العظيم منها كي لا ترى عملها ودخولها في الشدائد فتحتجب بها . 203 - وكلّ مقام ، عن سلوك ، قطعته ، عبوديّة حقّقتها ، بعبودة 203 - أي : كل مقام قطعته من مقامات السلوك من الصبر والرضا والشكر وغير ذلك من مقامات السالكين طلبا للثواب في يوم الحساب عبودية حققتها بالعبودة أي جعلت تلك العبودية عبودة كي لا يكون مطمح نظري إلّا الحق سبحانه . 204 - وصرت بها صبّا ، فلمّا تركت ما أريد ، أرادتني لها وأحبّت 204 - أي : وكنت من قبل عاشقا لها صبّا بها مريدا وصالها ، فلما تركت أرادتني وفنيت بها عن جميع المرادات وأحببتها لذاتها أرادتني المحبوبة لنفسها وأحبتني فصرت محبوبا بعدما كنت محبا ( وإليه أشار بقوله ) . 205 - فصرت حبيبا ، بل محبّا لنفسه ، وليس كقول مرّ ، نفسي حبيبتي 205 - أي : ( اضرب عن قوله : « فصرت حبيبا » بقوله : « بل محبا لنفسه » ) ، أي : بل محبا لنفس الحبيب الذي هو عيني إذ كونه حبيبا للمحبوبة يوهم التغاير والاثنينية . والسالك المحب إذا فني في الحق وبقي به ترتفع من بينهم المغايرة . فيكون المحب محبا لنفسه لا لغيره . ولما كان من قبل قال عن لسان المحبوبة : « حليف غرام أنت لكن بنفسه » ، وقال هنا أيضا مثل ذلك ، نفي المشابهة بين القولين بقوله : « وليس كقول مرّ نفسي حبيبتي » ، أي : ليس هذا القول مثل ذلك القول ، فإن النفس في الأولى كانت باقية بالوجود العرضي الغير القائم بنفسه محجوبة عن ربها ، وفي الثانية باقية بالوجود الحقاني فانية عن نفسها شاهدة لربّها بربّها ، فشتان بين القولين ( ويجوز ) أن يكون قوله : « مرّ نفسي حبيبتي » ، إشارة إلى قوله فيما سبق : « وإني التي أحببتها لا