داود القيصري

136

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

مراتب السلوك العلم باللّه وطرقه ومنازله ومقاماته والمعتبر فيه العلم اليقيني جعله أول مراتب سفره وتحقيق ذلك أن الإنسان من مبدأ أمره جاهل باللّه وأحكامه وطرقه محتاج إلى من ينبهه عن سنة الغفلة ويذكره مبدأه الذي منه بدا ومعاده الذي إليه يعود وهم الأنبياء عليهم السلام ثم الأولياء والعلماء باللّه ومراتبه يقينا المشاهدون للحقائق عيانا الواصلون إليها حقا خلافة عنهم ووراثة منهم ثم العلماء بظواهرها أمرهم به الأنبياء والأولياء نيابة عنهم فالعلماء ينبّهون الأفراد والإنسانية من سنة الغفلة ويذكرونهم الحق ووحدته وأحوال مبدئهم ومعادهم وحقيقة جاء به الرسل من الأحكام الشرعية وغيرها لتتنور بواطنهم بنور الإيمان أولا ثم بأنوار المأمورات الشرعية من العبادات ولكل منها نور يخصه وبه ترتفع الحجب الظلمانية والغواشي النفسانية المعبر عنها بالذنوب والسيئات ولأجل أنها موجبات وأسباب للظلمات وانحطاط إلى الدركات نهى اللّه سبحانه عباده عنها رحمة منه عليهم فعند اتصافهم بالانقياد التام والإتيان بالأحكام كما أمر بالصدق والإخلاص وامتناعهم عن المعاصي والمنهيات يظهر لهم العلم اليقيني فإنه مع ديون الذنوب والمعاصي قبل أن يحصل اليقين للطالب اللهم إلا أن تكون نفسه في غاية الذكاوة والفطنة بحيث يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ النّور : الآية 35 ] فإنه بقوة الاستعداد يحصل له العلم اليقيني ولكنه نادر وذلك النادر أيضا لا يحصل له اليقين فيماوراء طور العقل كأحوال الآخرة وغيرها مما ليس للعقل فيه مدخل إلا بمتابعة الأنبياء والأولياء وعند حصول ذلك بالمتابعة يحصل للإنسان الشوق إلى مشاهدة علمه يقينا فيشرع في السلوك والمجاهدة . الرياضة لتنكشف عليه الحقائق على ما هي عليه وأول مراتب الكشف والشهود والحضرة الخيالية المسماة بعالم المثال ثم الحضرة المعنوية القلبية والروحية إلى أن يصل إلى العقل الأول وهو الأفق الأعلى وليس فوقه إلا الحضرة الإلهية وقد بينا مراتب الكشف والمشاهدة وأنواعها إجمالا في مقدمات شرح الفصوص فمن أراد تحقيقها فليطلب هنالك ثم يترقى منه إلى أن يفني في الذات الإلهية فيبقى ببقائه فيسري بالحق في الحقائق كلها فيحصل له حق اليقين لسريانه بالذات الإلهية في حين مظاهره فحق اليقين وجدان الحقائق الإلهية والكونية في ذاته ذوقا ووجدانا وعين اليقين شهودها بعين البصيرة وعلم اليقين تصورها وإدراكها مطابقا لها في نفس الأمر فعلم اليقين للعلماء الراسخين وعين اليقين للأولياء الكاملين وحق اليقين للأنبياء والأولياء الكاملين المكملين لذلك قيل لليقين اسم