داود القيصري

119

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

467 - فكلّي لكلّي طالب ، متوجّه وبعضي لبعضي ، جاذب بالأعنّة 467 - أي : وكل واحد واحد من أجزاء ذاتي روحانيا كان أو جسمانيا طالب لكله ومقام جمعه ومتوجه إلى أصله الذي منه تفرعت الأجزاء وتكثرت ، كما قيل : كلي بكلك يا أميم رهين * في كل جارحة هواك دفين وذلك التوجه والطلب بواسطة جذبات الأصل لفروعه ، فإنه لولا جذبات الحق سبحانه من طريق الباطن لقلوب السالكين وأرواح الكاملين إليه ، ما كان يقدر أحد إلى الوصول إليه ، إذ بعد هذه التنزلات المترتبة في العوالم المتكثرة ، واتصاف الروح والقلب بحجب العواشي النورانية والظلمانية ، لا تبقى نسبة بينه وبين ربه ، ليتذكر بها مقامه الأصلي والعهد الأولي . فأول ما ينجذب إليه تعالى بالجواذب الحقانية هو الروح ، وبواسطته ينجذب القلب ثم النفس . وكلما ينجذب شيء منها إليه تعالى ، يتصف بالعبودية فيتنوّر بأنوار الربوبية ، فتشرق أرض البدن بالأنوار ، كما قال تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها [ الزّمر : الآية 69 ] ( فالكامل الواصل إلى مقام الجمع والتوحيد يكون فوق الجهات كلها ، فالفوق تحته ، وإليه أشار بقوله : ) . 468 - ومن كان فوق التّحت ، والفوق تحته ، إلى وجهه الهادي عنت كلّ وجهة « 1 » 468 - أي : ومن كان فوق الجهة المنسوبة إلى التحت ، والحال أنه فوق الفوق والتحت ، أي : هو في مقام أعلى أن يتصف بالفوقية والتحتية ، خضعت له كل وجهة ، وتوجهت إلى وجهه الباقي وذاته الهادي . وذلك لأن سبحانه ما يفيض الفيض الإلهي إلّا عليه ، ومنه يفيض على جميع الموجودات فهو الحجاب المشار إليه بقوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشّورى : الآية 51 ] فلا بد أن يتوجه إليه جميع الموجودات الروحانية والجسمانية ويأخذ من حضرته كل ما يناسب استعداده فوجهه وذاته من حيث إنه موصل كلّا منهم إلى الكمال المقدر له هو الهادي لاهتداء الكل به ، ولكون هذه الخليفة في الأرض ، قال :

--> ( 1 ) عنت : خضعت ، الوجهة : الاتجاه .