عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )
428
لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام
سر القدر : يشيرون به إلى أن حكم اللّه في الأشياء وعليها إنما هو منها ، وتقرير ذلك أنه لما كان القضاء عبارة عن حكم اللّه في الأشياء على ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها . والقدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد ، فما حكم القضاء على الأشياء إلّا بها وهذا هو عين سر القدر لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( ق : 37 ) والآية فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ( الأنعام : 149 ) . فالحكم في التحقيق تابع لعين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها ، فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكم على الحاكم أن يحكم عليه بذلك ، وكل حاكم محكوم عليه بما حكم به كان الحاكم من كان . فتحقق هذه المسألة فإن القدر ما جهل إلّا لشدة ظهوره فلم يعرف وكثر فيه الطلب والإلحاح . قال تعالى : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) وهو الاستحقاق الذي يطلبه الخلق ، فإن اللّه أعطى كل شئ خلقه فينزل بقدر ما يشاء ، وما يشاء إلّا ما علم ، فحكم به وما علم إلّا ما أعطاه المعلوم ، فالتوقيت في الأصل للمعلوم والقضاء والعلم والإرادة والمشيئة . كل ذلك تبع للقدر . فسرّ القدر من أجل العلوم وما يفهّمه اللّه إلّا لمن اختصه بالمعرفة التامة ، فالعلم به يعطى الراحة الكلية للعالم به ، ويعطى العذاب الأليم للعالم به أيضا ، إلّا لمن أشهده اللّه عينه الثابتة لأنه من أكابر السعداء . فهذا الشخص يسميه شيخنا صفاء خلاصة خاصة الخاصة كما ذكر ذلك في الفص الشينى [ 101 ظ ] من كتاب فصوص الحكم ، فكان العلم بسر القدر يعطى النقيضين ، وبه وصف الحق نفسه بالغضب والرضى ، وبه تقابلت الأسماء الإلهية ، فحقيقة يحكم في الوجود المطلق والمقيد ، لا يمكن أن يكون شئ أتم منها ولا أقوى ولا أعظم لعموم حكمها المتعدى وغير المتعدى .