عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )

320

لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام

وكل واحد نطق فيهما بما يرجع إلى حاله . فإن أكثرهم جعلوا الأنس بالجمال مربوطا والهيبة للجلال منوطا وليس الأمر كما قالوه . وهو أيضا كما قالوه بوجه ما وذلك ، أن الجلال والجمال وصفان للّه تعالى والهيبة والأنس وصفان للإنسان فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت ، وإذا شاهدت حقائق العارفين الجمال آنست وانبسطت . فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة وحكموا في ذلك بما وجدوه في أنفسهم . قال الشيخ قدس اللّه روحه : وأريد إن شاء اللّه أن أبين عن هاتين الحقيقتين [ 69 ظ ] على قدر ما يساعد في اللّه به في العبارة . فأقول : إن الجلال للّه معنى يرجع منه إليه وهو الذي منعنا من المعرفة به تعالى إذ ليس لمخلوق في معرفة الجلال المطلق مدخل ، ولا شهود انفرد الحق به . وهو الحضرة التي يرى الحق فيها نفسه بما هو عليه فلو كان لنا مدخل فيه ، لأحطنا علما باللّه ، وبما عنده وذلك محال ، وأما الجمال فهو معنى يرجع منه إلينا وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا ، والتنزلات والمشاهدات والأحوال . وله فينا أمران : الهيبة والأنس . وذلك لأن لهذا الجمال علوّا ودنوّا فالعلو تسمية جلال الجمال وفيه يتكلم العارفون وهو الذي يتجلى لهم ، ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول الذي ذكرناه وهذا جلال الجمال قد اقترن معه منا الأنس والجمال الذي هو الدنو قد اقترب معه منا الهيبة . فإذا تجلى لنا جلال الجمال آنسنا ولول ذلك هلكنا فإن الجلال والهيبة لا يبقى لسلطانهما شئ فيقابل ذلك الجلال منه بالأنس منا لنكون في المشاهدة على الاعتدال حتى يعقل ما نرى ولا نذهل .