ابن الفارض

89

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

( الجهات الستّ ) : فوق ، وتحت ، وقدام ، وخلف ، واليمين ، والشمال ، و ( النحو ) : الجانب ، و ( نحوي ) مفعول توجّهت ، أي : أقبلت بوجهها ، والباء في ( بما ) للمصاحبة ، وثم أشار بها إلى الجهة البعيدة ، و ( النسك ) العبادة ، وأصله نسك خفّف عينه قياسا شائعا ، كما يقال : ( نسك ) بالفتح إذا تعبّد ، وبالضمّ إذا صار عابدا أراد أن الكعبة جهاتها الستّ توجّهت إليّ توجه الفرع إلى الأصل مع ما حصل ثمّة من العبادات من صلاة ، وحجّ ، وعمرة ، ودعاء ، واعتكاف ، وطواف ، وقوله : لها صلواتي بالمقام أقيمها * وأشهد فيها أنّها لي صلّت كلانا مصلّ واحد ، ساجد إلى * حقيقته بالجمع ، في كلّ سجدة وما كان لي صلّى سواي ، ولم تكن * صلاتي لغيري في أداء كلّ ركعة ( المقام ) مقام إبراهيم - عليه السلام - بالبيت ، أي : أقيم صلواتي بالمقام للمحبوبة ، وأرى في الصلاة أن المحبوبة صلّت لي ؛ إذ كلانا مصلّ واحد ساجد في الحقيقة بسبب معنى الجمع في كل سجدة وما صلّى لي غيري ، ولم أصلّ لغيري في كل ركعة مؤدّاة ، وذلك أنه إذا كوشف الباطن بسرّ لا موجود سوى اللّه ، وأن الأشباح الظاهرة هي ظلال ساجدة للأرواح الباطنة ، وأن المحب هو عين المحبوب باعتبار الجمع ، وغيره باعتبار التفرقة ، وإن توجّه المحب إلى المحبوب فرع توجّه المحبوب إليه صحّ للمكاشف بها أن يقول صلّي للمحبوب ، أو المحبوب يصلّي لي ، أو كلانا مصلّ [ 106 / ق ] واحد ساجد إلى حقيقته ، أو ما صلّى لي سواي ، أو ما صلّيت لغيري ، كما عبّر الناظم عن هذه المعاني بالأبيات الثلاثة ، وهذا الكلام من لسان الجمع لا يفهم إلا بسمع الجمع ، وبعد ما كشف الستر عن هذا السرّ ، قال : إلى كم أواخي السّتر ؟ ها قد هتكته * وحلّ أواخي الحجب في عقد بيعتي ( أواخي ) بالضم حكاية النفس من المؤاخاة بمعنى الملازمة ، وبالفتح جمع أخية ، وهي ما يشدّ به الدابة من الحبل المشدود طرفاه بوتد ، واستعارها للآداب المقيّدة بها النفوس لمصالح دينية ودنيوية ، يقال : إلى كم ألازم ستر التلبيس وأستر وجه الحقيقة بحجاب الحكمة ، ( ها أنا قد هتكته ) لكشف الحقيقة ، والحال أن حل قيود الاستتار ، وكشف وجوه الأسرار ثبت في عقد بيعتي يوم الميثاق ، أي أجبلت على هذه الخاصية أزلا ، ثم أخبر عن قدم حبّه ، وكونه موهوبا غير مكتسب بقوله : منحت ولاها ، يوم لا يوم ، قبل أن * بدت لي عند العهد في أوّليّتي