ابن الفارض
87
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
وصف المحبة والمحبوبية ، فهو داخل في نفس المحبة وخاطب المحبّ محبوبه بنحو « أغار عليك منك فكيف مني » ، ثم أتى بفاء السببية ، فقال : فتختلس الرّوح ارتياحا لها ، وما * أبرّىء نفسي من توهّم منية ( الاختلاس ) : الجذب « 1 » سريعا ، و ( الارتياح ) : السرور ، ونصبه على المفعول له ، والضمير في ( لها ) عائد إلى الروح ، و ( المنية ) : مراد النفس ، أي بسبب ما أنكر غيرتي للاتّحاد بجذب [ 103 / ق ] روحي إلى حضرة الوحدة ، لسرور حاصل لها ، وما بقي في نفسي من توهّم منية المشاهدة بالبصر فهو من إحكام النفس ، وما أبرأها منه . تلخيص هذا الكلام أن وجود المنية المشعرة ببعد لا ينافي حكم الاتحاد ؛ لأنها من أحكام النفس ، وهي بعيدة وحكم الاتحاد من أحكام الروح ، ثم قال : يراها على بعد عن العين مسمعي * بطيف ملام زائر ، حين يقظتي ( المسمع ) هو الأذن كأنها آلة السمع ، وهو فاعل ( يراها ) ، و ( الطيف ) : الإلمام ، أي يراها مسمعي فطيفه ملام زائر لي في حال اليقظة ، كما يراها العين بطيف خيال في المنام ، يعني إذا سمع أذني ذكرها في أثناء الملام تمثّلت حضرتها في نفسي ، فكأنّه يراها أذني ، ومن المحبّين من يجد لذّة في الملام ؛ كما قيل : أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمني اللّوم ثم قال : فيغبط طرفي مسمعي عند ذكرها * وتحسد ما أفنته منّي بقيّتي ( الغبطة ) تمني النفس حصول نعمة حاصلة للغير مع عدم تمنّي زوالها عنه ، و ( الحسد ) هذا التمنّي مع تمنّي زوالها عن المحسود ، من هذا قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد » « 2 » ، وقد يراد به معنى الغبطة ، كما في هذا البيت ، وعليه قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا حسد إلّا في اثنتين . . . » « 3 » الحديث .
--> ( 1 ) الجذبة : هي تقريب العبد بمقتضى العناية الإلهية المهيئة له كل ما يحتاج إليه في طيّ المنازل إلى الحق بلا كلفة وسعي منه وجهد وتكلف . ( 2 ) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ( 8 / 95 ) ، وأورده القاري في المصنوع ( ص 156 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 389 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 1 / 39 ) ( 2 / 510 ) ( 4 / 1919 ) ( 6 / 2612 ) ، ومسلم ( 1 / 558 ، 559 ) .