ابن الفارض

75

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

ولي منك كاف إن هدرت دمي ، ولم * أعدّ شهيدا ، علم داعي منيّتي ( أجل ) حرف التصديق ، وقد يستعمل ابتداء لتصديق خبر ذهني تفسيره ما بعده ، مثل ( نعم ) لتقرّره ، إلّا أن استعمال ( أجل ) ابتداء أحسن ، واستعمال ( نعم ) في جواب الاستفهام أجود ، ( الأجل ) مدة الشيء ، وهو العمر ، والواو في ( ولا وصل ) للحال ، و ( حقّا ) تأكيد لمضمون ( لم أفز ) ، و ( إليك ) يتعلق ( بنسبة ) ، و ( حسبي افتخاري ) جملة اسمية وقعت جزاء للشرط ، وهي مما يجب الفاء فيها ، إلا أنها حذفت للضرورة . و ( أسى ) أي : كمدا منصوب على التمييز ، أو على المفعول له ، ( علم ) مبتدأ خبره ( كاف ) مقدّم عليه فاعل كاف ، ( وهدر الدم ) أبطله ، وهو لازم ومتعدّ ، و ( المنية ) : الموت مأخوذ من المنى بالقصر ، وهو القدر ؛ لأنه مقدّر لا بدّ من حلوله . أجاب في هذه الأبيات عن قدح المحبوبة في حبّه حين ذمّته على كذب دعوى الحب يطلب الحظوظ ببراءة ساحته عنه مصدّقا لما يفسّره قوله : ( أجلي أرضى انقضاه . . . الخ ) ، يعني : أن انقضاء عمري في العشق ، ولم أفز بوصلك رضيت به بشرط صحة نسبي إليك بالمحبة ، فإن لم أفز بتلك النسبة لعزّتها فحسبي افتخاري بتهمتها ، وإن أتّهم بها ومتّ لفرط الحزن والكمد ، فما كنت مسيئة بنفسي المسرورة بالشهادة ؛ إذ جعلتها شهيدة ، وإن أهدرت دمي ، ولم أعد شهيدا كفى بي منك علمك بحالي ، وكنى عن المحبوبة بداعي المنية لأن حبّها يدعو إلى الموت ، ولما اعتذر عن ترك بذل الروح بأنها ليست في قبضته عدل إلى أسلوب آخر من الاعتذار : ولم تسو روحي في وصالك بذلها * لديّ لبون بين صون ، وبذلة ( لم تسو ) أي لم تعادل ، كان أصلها لم تساو فحذفت الألف لكثرة الاستعمال على غير قياس ، ( بذلها ) مفعول يتعلق ( لدي ) به ( البون ) البعد ، و ( الصون ) الحفظ ، و ( البذلة ) ثياب أخلاق ، أي : لم تعادل روحي بحقارتها عندي أن تبذل في مقابلة وصلك ، فلذلك لم أبذلها إلا لصونها لوجود بعد حاصل بين صون وبذلة ؛ لأنها لا تصان استعارة لروحه البذلة ، إشارة إلى قرب انخلاعه عنها ، لانسحاقها ورثاثتها ، كما ينخلع صاحب البذلة عنها كذلك ، والبذلة وإن لم تصن لحقارتها ، لكنها لا تبذل في مقابلة أمر خطير ؛ لأن ما يبذل في مقابلة شيء يحسن إذا كان معادلا له ، والحقير لا