ابن الفارض

42

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

من حال البسط فعل المباسطة ، ومن حال القبض فعل الإمساك عنها ، والحق تعالى يربّي باطن العبد بين تعاقب حالتي القبض والبسط ودورانهما عليه كما يربّي ظاهره بتعاقب اللّيل والنهار ، واختلافهما فتارة يغشي ليل القبض نهار البسط « 1 » ، وتارة يولج نهار البسط في ليل القبض « 2 » ليبلغه بذلك مبلغ كماله ، ويتضمن معنى هذا البيت إلى قوله : ( ولو أنّ ما بي بالجبال ) بيان سيره الموسوي على الطريق الأحمدي ؛ لأن موسى - عليه السلام - لما امتلأ قلبه من سرور سماع كلامه تعالى حمله سكر الحال لانقضاء صحوه على المباسطة معه بالكلام وطلب الرؤية من جملة مباسطة المحبّ مع المحبوب شبه الشكوى إليه ، فلذلك قال عقب ذكر المباسطة [ 44 / ق ] : وأبثثتها ما بي ، ولم يك حاضري * رقيب لها ، حاظ بخلوة جلوتي الإبثاث والبثّ : بمعنى التفريق ، وقد يستعملان في معنى الشكاية مجازا ، وهو المراد بالإبثاث في هذا الموضع ، ويجوز أن يراد به إظهار البثّ وهو الحزن ؛ كما في قوله : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي [ يوسف : الآية 86 ] ، وكان المجوّز استعملها في الشكاية ، أولا : نظر إلى أنها تبثّ الحزن وتفرقه عن القلب ، ثم استعمل البثّ في الحزن ، ثانيا : لأنه المبثوث كالخلق في المخلوق ، والرقيب الناظر ، والبقاء ممدود ، وقصر الصرورة والحظّ نصيب زاد على الحقّ . والخلوة : إن كان مصدر ، فالباء فيه للاستعانة متعلقة بأبثثتها ، وإن كان اسما للمكان الخالي المعد للمواصلة والمسامرة ، فالباء فيه بمعنى ( في ) ، كقولك : ( أقمت ببغداد ) . والجلوة : الظهور والحضور والمراد حضور الحبيب أضاف إليها الخلوة لأنها تعدّ لأجلها بتغييب الموانع ، وأثبت يقتضي مفعولين ، أحدهما : الضمير المنصوب ، والثاني : ما الموصولة ، وصلتها مقدّرة نحو نزل ، والباء في ( بي ) المتعلق بها للإلصاق .

--> ( 1 ) البسط : في مقام القلب بمثابة الرجاء في مقام النفس ، وهو وارد يقتضيه إشارة إلى قبول ولطف ورحمة وأنس . ( 2 ) القبض : يقابل البسط ، وهو كالخوف في مقابلة الرجاء في مقام النفس ، والبسط في مقام الخفاء ، هو أن يبسط اللّه العبد مع الخلق ظاهرا أو يقبضه إليه باطنا رحمة للخلق ، فهو يبيع الأشياء ولا يسعه شيء ، ويؤثر في كل شيء ، ولا يؤثر فيه شيء .