ابن الفارض
28
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
شهود جمال الذات وجه أخصّ وهو أن يراه في الذات لا في مرآة الصفات ، وهكذا يرى جمال الصفات في الذات لا في الذات لا في مرآة الأفعال ، والمحبة والمحبوبية جهتان عارضتان للمحبة ، وهي قائمة بذاتها ، واتّصال المحب بالمحبوب لا يمكن إلّا في عين المحبة لأنهما ضدّان لا يجتمعان من حيث تقابلهما في الأوصاف ، ألا ترى أن صفات المحب من الافتقار والعجز والذلّة وغيرها في عين المحبة بأن لا يحبّ المحب إلا المحبة ، كما قال الجنيد - رحمه اللّه - : ( المحبة محبة المحبة ) ، وهكذا قال النووي - رحمه اللّه - لأن المحبة إذا صارت محبوبة ، وهي صفة ذاتية للحب ، تحقّق الوصول وارتفع التضادّ عن الجهتين بفناء المحب في المحبّة المحبوبة ، وإلى هذا أشار قول المحقّقين : ( أن المحب والمحبوب والمحبة شيء واحد ) ، وفي هذا المقام لا تكون المحبة حجابا لقيامها بذاتها عند فناء جهتي المحبة والمحبوبية فيها وما قيل إن المحبة حجاب لاستلزامه الجهتين وإشعارها بالانفصال أريد به محبة غير محبوبه ، وقوله : فتى الحبها قد بنت عنه بحكم من * يراه حجابا فالهوى دون رتبتي إشارة إلى هذه المحبة وبداية المحبّة والمحبوبيّة أمر يهم ؛ لأن المحب لا يكون محبّا إلّا بعد سابقة جذب المحبوب إيّاه ، ولا يجذبه إلا لمحبته إياه ، فكل محبوب محبّ ، ومن هذا الوجه يتكلّم المحب عن نفسه بخصائص المحبوب وتخصيص بعض الأولياء بالمحبة ، وبعضهم بالمحبوبية لظهور أحد الوصفين فيهم وبطون [ 27 / ق ] الآخر ، فمن ظهر عليه إمارات المحبة من سبق اجتهاده لكشف قبل محب لبطون وصف المحبوبية فيه ، ومن ظهر عليه علامات المحبوبية من سبق كشفه الاجتهاد قبل محبوب لبطون وصف المحبّة فيه ، ولا يصل المحبّ إلى المحبوب إلّا بالمحبوبية ليتمكن الوصول بزوال الأجنبية وحصول الجنسية ، والمحبوب الأول من الخلق هو النبيّ محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، ثم كان أقرب منه بحسن المتابعة لأنها تفيد المحبوبية ؛ كما قال سبحانه : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : الآية 31 ] ، فمن اتّبعه يصل إليه فيصير من خاصية المحبوبية فيه ، بحيث يتأتّى منه جذب آخر إلى نفسه وإعطائه إياه خاصية المحبوبية ، كما أنّ المغناطيس يجذب الحديد إلى نفسه بجنسية روحانية بينهما ، فيكسوه حلّة خاصيّته بحيث يأتي منه جذب حديدة أخرى ، وإعطائه إياها خاصية المتغطّاة من المغناطيس ، ولا شكّ أن الخاصية المغناطيسية في الحديد ليست إلا للمغناطيس وإن وجدت منه ظاهرا ، فكأن تلك الخاصية في الحديد تقول بلسان الحال ناصفة المغناطيس ، فهكذا الروح المطهر